فهرست مطالب

فهرست مطالب

 

pdf

اقول: يرد على استدلاله بالروايات التي تدل على اشتراط وجوب صلاة الجمعة بأن يكون لهم امام يخطب ففيه اولا: ان بيان شرطية من يقدر على القاء خطبة الجمعة، ليس مستهجنا، اذ ليس كل احد يقدر على ذلك فقد لا يعرف كثير من الناس واجبات الخطبة، ولا يلازم ذلك تقصيرهم وخروجهم عن العدالة لينافي ما هو المفروض في هذه الروايات من عدالة الامام فقد يكون الجاهل قاصرا لعدم وصول روايات خطبة الجمعة اليه في ذلك الزمان، وقد يستوحش بعضهم من القاء الخطبة أمام جمع من الناس، كما حصل ذلك بالنسبة الى عثمان حيث خطب في أول جمعة، فقال: الحمد اللّٰه، ثم ارتجّ عليه، فقال: إنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال، و إنّ أبا بكر و عمر كانا يرتادان لهذا المقام مقالا، و ستأتيكم الخطب من بعد، و أستغفر اللّٰه العظيم لي و لكم، و نزل فصلّى[1]، هذا مضافا الى التأمل في كفاية اقل الواجبات الشرعية للخطبة بل قد يقال بلزوم صدق الخطبة عرفا، كما التزموا بذلك في صلاة القصر على المسافر من أنه لابد مضافا الى اجتماع الشروط الشرعية من صدق عنوان المسافر، فلا يجب القصر على من خرج من بلده ودار حوله.

وثانيا: كيف توجب هذه الروايات حمل مثل صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) على من تجب الجمعة؟ قال: تجب على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم[2]، على وجوب الحضور بعد اقامة الجمعة بشرائطها، مع قوة ظهورها في وجوب الاقامة على سبعة نفر من المسلمين، بل بعض هذه الروايات التي ذكرها لايقبل ارادة وجوب الحضور دون الاقامة مثل صحيحة محمد بن مسلم “سألته عن أُناس في قرية هل يصلّون الجمعة جماعة؟ قال: نعم، و يصلّون أربعاً إذا لم يكن من يخطب”، و صحيحة الفضل بن عبد الملك “إذا كان القوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فان كان لهم من يخطب لهم جمَّعوا …[3].

وأما استدلاله بما دل على عدم وجوب الجمعة على من زاد على فرسخين كصحيحة محمد بن مسلم ففيه اولا: انه لا منافاة بين دلالة هذه الصحيحة على عدم وجوب الحضور عليه ودلالة بعض الروايات الأخرى على وجوب الاقامة عليها ان تيسر له ذلك، ولم يحضر تلك الجمعة المنعقدة التي يبعد عنها بأكثر من فرسخين، وتظهر الثمرة فيمن لا يتيسر له الاقامة إما لعدم امام عادل يقدر على الخطبة او لعدم اجتماع سبعة من الشيعة او للخوف ونحو ذلك، فلا يجب عليه الاقامة كما لم يجب عليه الحضور.

وثانيا: ما مر من أن بعض الروايات السابقة تأبى عن الحمل على وجوب الحضور كصحيحة زرارة المذكورة آنفا.

وأما استدلاله تبعا للمحقق الهمداني بقضية أنه لو كان لبان فقد يجاب عنه بأن عدم وضوح حكم صلاة الجمعة لعله لأجل وجود التقية في زمان الأئمة (عليهم السلام) المانعة من اقامة الشيعة لها، ثم في عصر الغيبة وقع الخلاف بين الفقهاء وهذا لا يكشف عن عدم وجوب الاقامة تعيينا مع عدم الخوف واجتماع العدد، ولو سلم ما ذكر فلا يمنع من وجوب الاقامة في زمان تشكل حكومة شرعية، كما ان اصحاب الأئمة ايضا كثرا ما كانوا يخافون من الحكام و من عامة الناس، وان سلم فغايته عدم وجوب الاقامة في زمان حضور الامام الا بامامته او امامة المأذون الخاص من قبله، فلا ينافي وجوب الاقامة في عصر الغيبة خصوصا مع تشكل حكومة شرعية.

هذا كله حول الاستدلال بالروايات على تمامية القول الاول وهو وجوب اقامة صلاة الجمعة تعيينا في عصر الغيبة، وقد حاولنا الى الآن دفع الاشكالات عنه، وقد قوى المحقق الشيخ مرتضى الحائري “قده” في كتاب صلاة الجمعة هذا القول وفاقا للشهيد الثاني في رسالة صلاة الجمعة وصاحب المدارك والحدائق، وفعلا ننتقل الى بيان ادلة سائر الاقوال قبل أن نذكر المختار النهائي.

أما القول الثاني وهو القول بالوجوب التخييري لاقامة صلاة الجمعة في عصر الغيبة وكذا الحضور فيها بعد انعقادها، فعمدة الدليل عليه الاجماع على عدم الوجوب التعييني في عصر الغيبة، فقد ذكر الشهيد الثاني “ره” في الروضة البهية “لولا دعواهم الإجماع على عدم الوجوب العيني لكان القول به في غاية القوة، فلا أقل من التخييري مع رجحان الجمعة[4]، وفيه أن هذا الاجماع حتى لو تم ولم نستشكل عليه بكونه مدركيا مستندا الى ما قد يظهر منه اشتراط حضور الامام (عليه السلام) اونائبه الخاص في صحة صلاة الجمعة، فلا اطلاق له لفرض تشكل حكومة شرعية، بل ولا ينفي القول بوجوب الحضور بعد انعقادها بشرائطها.

وأما ما حكي عن السيد الامام “قده” من عدم الوجوب التعييني للاقامة او الحضور حتى في زمان بسط اليد المعصوم (عليه السلام) فخلاف ظاهر الآية والروايات، واستبعاد وجوب ذلك على جميع الناس وعدم احتماله تاريخيا فغايته كشف اشتراط الوجوب بعدم الاعذار العرفية.

والحاصل أن رفع اليد عن الوجوب التعييني لا يتم الا مع قيام دليل معتبر على عدم الوجوب التعييني، وهذا مفقود في المقام، بل بعض هذه الروايات تأبى عن الحمل على الوجوب التخييري كما ورد من أن من ترك الجمعة ثلاثا متواليات كان منافقا.

من هنا

هذا وقد يستدل على نفي الوجوب التعييني لصلاة الجمعة بما رواه الشيخ الطوسي “ره” في مصباح المتهجد عن ابن ابي عمير عن هشام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إني لأحب للرجل أن لا يخرج من الدنيا حتى يتمتع و لو مرة واحدة و أن يصلي الجمعة في جماعة[5]، بتقريب أن تعبير الامام (عليه السلام) بأني أحب أن لا يخرج الرجل من الدنيا حتى يصلي صلاة الجمعة لا يتناسب مع كونها فريضة واجبة من الله تعالى، ‌فتكون قرينة على حمل الروايات السابقة على تأكد استحباب صلاة الجمعة، وأما سند الرواية فقد يصحح لكون الشيخ “ره” ذكرها في المصباح بقوله “روى ابن ابي عمير عن هشام…” فيشمله أسناد الشيخ في الفهرست الى جميع كتب ابن ابي عمير ورواياته، وهي اسناد صحيحة.

وفيه أنه يكفي في صحة التعبير بأني أحب، عدم وجوب صلاة الجمعة عليهم في ذلك الزمان ولو في بعض الاحيان إما لابتلاءهم بالتقية المداراتية او لاشتراط وجوب اقامة صلاة الجمعة في زمان حضور الامام (عليه السلام) بأن تكون بامامته او امامة نائبه الخاص، فبهذه الملاحظة يصح استعمال هذه الكلمة، وان وجبت اقامة صلاة الجمعة مع عدم التقية المدارتية او في زمان الغيبة مطلقا او عند تشكل حكومة اسلامية، ولا أقل من عدم دلالتها على عدم وجوب الحضور بعد اقامتها بشرائطها، بل قد يقال بأن مفادها محبوبية الحضور في صلاة الجمعة في كل جمعة، حتى مع سقوط وجوبها لسفر او كبر ونحو ذلك.

وأما سندها فيمكن النقاش فيه بأن الاسناد المذكورة في الفهرست -كما ذكرنا في محله وفاقا جماعة منهم بعض السادة الاعلام و بعض الاجلاء “دام ظلهما”- مذكورة من باب التيمن والتبرك، فابن ابي عمير مثلا أجاز بشكل عام لتلميذه أن يروي عنه جميع كتبه ورواياته من دون أن يبين له تلك الروايات تفصيلا، نظير ما نشاهده من الاجازات في هذه الاعصار، واجاز تلميذه بهذا النحو لشخص آخر، وأجاز ذلك الشخص كذلك للشيخ “ره”، نعم التزم الشيخ في التهذيب بأن يبدأ باسم الراوي الذي يروي الحديث من كتابه، ولكن لم يعلم ذلك منه في مثل كتاب المصباح، وأما كونه من المراسیل الجزمية للشيخ فغاية ما يقال في تقريب حجيتها أنه اسندها الى ابن ابي عمير جزما، فيكون اخبارا منه بصدور هذا الكلام منه، و حيث نحتمل كون اخباره بنحو الحسّ بأن وصل اليه بالاستفاضة او بواسطة ثقة عن ثقة فتجري أصالة الحس في خبره، و لكن يرد عليه أنه لم يعلم أنه كان يرى فرقا بين هذا التعبير و بين التعبير بقوله “و روي عنه”، فلعل ذلك منه كان مجرد تفنن في التعبير.

وأما القول الثالث وهو عدم مشروعية صلاة الجمعة في زمان الغيبة وهو قول سلار تلميذ المفيد في المراسم حيث قال: صلاة الجمعة فرض مع حضور إمام الأصل أو من يقوم مقامه و اجتماع خمسة نفر فصاعدا الإمام أحدهم،… و لفقهاء الطائفة أن يصلّوا بالناس في الأعياد و الاستسقاء، و أما الجمع فلا[6]، وفي السرائر: عندنا بلا خلاف بين أصحابنا أنّ من شرط انعقاد الجمعة الإمام أو من نصبه الإمام للصلاة[7]، بل المنقول عن السيد المرتضى ذلك حيث ورد عنه في اجوبة المسائل الميافارقيات: لا جمعة إلّا مع إمام عادل أو من نصبه الإمام العادل، فإذا عُدِم صلّيت الظهر أربع ركعات[8]، وممن اختار هذا القول السيد البروجردي والسيد الحكيم “قدهما”، وقد استدل على ذلك بعدة وجوه:

الوجه الاول: ما تقدم عن السرائر من دعوى الإجماع على عدم مشروعية صلاة الجمعة ما لم يقمها الإمام المعصوم (عليه السلام) أو نائبه الخاص.

وفيه اولا: أن دعوى الاجماع على عدم المشروعية غريب جدا، والشاهد عليه كلام الشيخ الطوسي “ره” في الخلاف: من شرط انعقاد الجمعة الإمام أو من يأمره الإمام بذلك من قاضٍ أو أمير و نحو ذلك، و متى أقيمت بغير أمره لم تصح، و به‌ قال الأوزاعي و أبو حنيفة. و قال محمد: إن مرض الإمام أو سافر أو مات فقدّمت الرعية من يصلّي بهم الجمعة صحت لأنّه موضع ضرورة. و صلاة العيدين عندهم مثل صلاة الجمعة. و قال الشافعي: ليس من شرط الجمعة الإمام و لا أمر الإمام. و متى اجتمع جماعة من غير أمر الإمام فأقاموها بغير إذنه جاز، و به قال مالك و أحمد، دليلنا: أنه لا خلاف أنها تنعقد بالإمام أو بأمره و ليس على انعقادها إذا لم يكن إمام و لا أمره دليل.

فإن قيل: أ ليس قد رويتم فيما مضى و في كتبكم: أنه يجوز لأهل القرايا و السواد و المؤمنين إذا اجتمع العدد الذي تنعقد بهم أن يصلّوا الجمعة؟، قلنا: ذلك مأذون فيه مرغب فيه فجرى ذلك مجرى أن ينصب الإمام من يصلّي بهم، و أيضا عليه إجماع الفرقة، فإنّهم لا يختلفون أن من شرط الجمعة الإمام أو أمره… فإنّ من عهد النبي (صلّى الله عليه و آله) إلى وقتنا هذا ما أقام الجمعة إلّا الخلفاء و الأمراء و من ولي الصلاة، فعلم أن ذلك إجماع أهل الأعصار، و لو انعقدت بالرعية لصلّوها كذلك[9].

وهو وان ادعى اشتراط الجمعة بأن يكون بأمر الامام لكن لايبعد أن يكون مقصوده اشتراط وجوبها به دون صحتها لما ذكر من انعقادها بدون امره ايضا، مضافا الى أنه نفی الاجماع على الانعقاد بدون امره، لا أنه ادعى الاجماع على عدم الانعقاد، وذكر في النهاية في باب صلاة الجمعة: الاجتماع في صلاة الجمعة فريضة إذا حصلت شرائطه، و من شرائطه أن يكون هناك إمام عادل أو من نصبه الإمام للصلاة بالناس… و لا بأس أن يجتمع المؤمنون في زمان التقية بحيث لا ضرر عليهم فيصلّوا جمعة بخطبتين[10]، وذكر في موضع آخر: يجوز لفقهاء أهل الحق أن يجمعوا بالناس في الصلوات كلّها و صلاة الجمعة و العيدين و يخطبون الخطبتين و يصلّون بهم صلاة الكسوف ما لم يخافوا في ذلك ضررا، فإن خافوا في ذلك الضرر لم يجز لهم التعرض لذلك على حال[11]، فيفهم منه انه يرى وجود الامام او نائبه الخاص شرطا في وجوب الحضور في صلاة الجمعة دون مشروعيتها، نعم ينافي ذلك ما ذكر في المبسوط من أن الشروط الراجعة إلى صحّة الانعقاد فأربعة: السلطان العادل أو من يأمره السلطان و العدد[12].‌

وثانيا: ان هذا الاجماع حتى لو تم فهو اجماع مدركي او محتمل المدرك، حيث يحتمل استناده الى بعض الوجوه القادمة.

ثم لا يخفى أنه وان ورد دعوى الاجماع على الاشتراط في ما حكي عن السيد البروجردي “قده” حيث ادعى إجماع الإمامية بل المسلمين، كما ادعاهما الشيخ في الخلاف وقد أفتوا بالاشتراط في كثير من كتبهم المعدة لنقل أصول المسائل المتلقاة عنهم (عليهم السلام) و عرفت أيضا أنّ خلاف الشافعي و مالك و أحمد لا يضرّ بالإجماع للعلم ببطلان مستندهم[13]، ولكن الظاهر وقوع الخلط في الكلام المنقول عنه، بين اشتراط وجوب صلاة الجمعة بكونها بامر الامام او اشتراط مشروعيتها بذلك، فقد يستدل عليه بأنه لو وجب بدون امره لوجب تعلمها و تعلم خطبتها كفاية على جميع المسلمين في جميع الأعصار و وجوب إقامتها في جميع الأمكنة من الأمصار و القرى و البوادي النائية المسكونة في رأس كل فرسخين، فيكون وزانها وزان سائر الصلوات اليومية بحيث يجب على كل مسلم أن يهتم بتعلمها بمزاياها و يسعى في إقامتها بنحو يعاقب الجميع على تركها إذا فرض جهلهم بها[14]، ولكن قد يذكر عدم المشروعية و يناسبه ما ذكره من أن خلاف الشافعي واحمد ومالك ليس بقادح في الاجماع، مع أنهم قالوا كما في الخلاف بأنه لو اقيم بدون امر الامام جاز، والمهم أنه لو اراد الاجماع على اشتراط الوجوب لم يكن دعواه خاليا عن الوجه، ففي المعتبر: السلطان العادل أو من نصبه شرط وجوب الجمعة و هو قول علمائنا، و في المنتهى: يشترط في الجمعة الإمام العادل أي المعصوم عندنا أو إذنه، أما اشتراط الإمام أو إذنه فهو مذهب علمائنا أجمع و الحسن و الأوزاعي و حبيب بن أبي ثابت و أبي حنيفة، و في التذكرة: يشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه عند علمائنا أجمع و به قال أبو حنيفة، واما لو اراد دعوى الاجماع على اشتراط المشروعية بامر الامام فلا وجه له.

الوجه الثاني: ما نقله السيد الخوئي “قده” من دعوى كون إيجاب مثل هذا الحكم في زمن الغيبة مثارا للفتنة و موجبا للهرج و المرج فلا يظن بالشارع الحكيم تشريعه، فإن الإلزام باقتداء الكل خلف شخص واحد و إيكال تعيينه إليهم، مع تأبّي النفوس عن الائتمام خلف من يراه مثله أو دونه في الأهلية، و ميل الطباع لاشغال ذاك المنصب و حيازته، معرض للافتتان، بل موجب لاختلال النظام، لتشاحّ النفوس في طلب الرئاسة و التصدي لمقام الإمامة، فربما يؤدي إلى التشاجر و النزاع بين المسلمين، لانتصار أهل كل محلة لإمامها، و قد ينجرّ إلى القتل كما اتفق في عصرنا الحاضر في بعض البلاد، فلابد و أن يكون التعيين بنظر الشارع و إذنه الخاص كي تنحسم به مادة النزاع.

فاجاب عنه أوّلًا: أن هذا التقرير على تسليمه إنما يجدي لنفي الوجوب التعييني، لا أصل المشروعية و لو تخييراً، فانّ الوجوب التخييري حيث لا إلزام فيه على سبيل الحتم و البتّ لوجود المندوحة، فلا يتضمن الفتنة، لإمكان التخلص منها باختيار صلاة الظهر.

و ثانياً: أن الفتنة ممنوعة من أصلها حتى على القول بالوجوب التعييني، فإنّ من قدّم للإمامة إما أن يرى غيره أهليته لها لاستجماعه الشرائط أو لا، فعلى الأول يجب عليه الائتمام و لا حزازة فيه، و إن كان دونه في المقام فقد حثّ الشارع على التواضع و مجاهدة النفس، و حذّر عن الأنانية و الكِبَر.

و على الثاني: الجماعة باطلة بنظره، فلم تنعقد جمعة صحيحة كي يجب السعي إليها و الحضور فيها. هذا بناء على المختار من عدم الوجوب إلا بعد الانعقاد، و كذا على القول بوجوب العقد، فإنه يسقط عندئذ بناء على ما هو الأظهر من عدم جواز عقد جمعتين في بلد واحد حتى مع العلم ببطلان إحداهما، فلم يكن هناك موجب للافتتان و باعث على الجدال و النزاع من ناحية إيجاب الجمعة في حدّ نفسه، و أما البواعث الأُخر فهي أجنبية عن هذا التشريع كما لا يخفى، فتدبر جيداً[15].

ولا بأس بما أفاده.

الوجه الثالث: ما ذكره السيد البروجردي “قده” من أن عادة المسلمين في أعصار النبي (صلّى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) لم تكن على اقامة صلاة الجمعة بدون امرهم، بل كان رسول الله (صلّى الله عليه و آله) هو بنفسه يعقد الجمعة و يقيمها و كذلك الخلفاء من بعده حتى أمير المؤمنين (عليه السلام) و كان الخلفاء ينصبون في البلدان أشخاصا معينة لإقامتها، و لم يعهد في تلك الأعصار أن يتصدى غير المنصوبين لإقامتها و كان الناس يرون من وظائفهم في كل جمعة حضور الجمعات التي كان يقيمها الخلفاء و الأمراء و المنصوبون من قبلهم، فكان إذا أقبل يوم الجمعة حضر الخليفة أو من نصبه لإقامتها و اجتمع الناس حوله، وهكذا كان دأب الناس و ديدنهم في جميع البلدان، و صار هذا الأمر مركوزا في أذهان جميع المسلمين حتى أصحاب الأئمة (عليهم السلام) فكان جميع الأخبار الصادرة عنهم (عليهم السلام) ملقاة إلى الذين ارتكز في أذهانهم كون إقامة الجمعة من خصائص الخلفاء و الأمراء و لم يكن يخاطر ببالهم جواز إقامة سائر الناس لها، فلو كان حكم الله و رأي الأئمة على خلاف ذلك لكان يجب عليهم بيان ذلك و تكراره و الإصرار عليه و إعلام أصحابهم بأنّه يجب على جميع المسلمين السعي في إقامتها و أنها لا تختص ببعض دون بعض، كما استقر على ذلك سيرتهم عليهم السلام في جميع المسائل التي خالف فيها أهل الخلاف لأهل الحق كمسألتي العول و التعصيب و نحوهما.

و بالجملة لو لم يكن الإمام أو من نصبه شرطا في إقامة الجمعة و كانت إقامتها من وظائف جميع المسلمين لبيّنها النبي و أوصياؤه و صارت من الصدر الأوّل كسائر الفرائض اليومية من ضروريات الدين بحيث يعرفها جميع المسلمين حتى النساء و الصبيان، و كان سكّان كل مصر او قرية أو بادية يقيمونها في بلدتهم و محلهم‌، و لم يكونوا يتحملون مشقة السفر إلى الفرسخين مع القدرة على أقل الواجب، و قد عرفت أنّ السيرة المستمرة قد استقرت على تصدي الخلفاء و الأمراء لإقامتها و على سعي سائر الناس إلى ما انعقدت بتصديهم من دون أن يظهر من الأئمة عليهم السلام إنكار و ردع بالنسبة إلى ذلك، فهذه السيرة المستمرة من أقوى الشواهد على كون إقامتها من مناصب الإمام (عليه السلام)[16].

وقد اورد عليه السيد الخوئي “قده” بأن هذه الدعوى كما ترى، بل هي من الغرابة بمكان، أما عصر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فلا سبيل لنا إلى العلم بإقامة الجمعة في غير بلده (صلى اللّٰه عليه و آله) من سائر القرى و البلدان، إذ لم ينقله التاريخ و لم يرد به النص، و على‌ تقدير الإقامة فلم يعلم اشتراطها بالاذن و نصب شخص لها بالخصوص، فلا طريق لنا إلى استكشاف الحال و استعلام الوضع في ذلك العصر.

و أما زمن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو و إن كان ينصب الولاة و القضاة في أقطار البلاد، و بطبيعة الحال كانوا هم المقيمين للجمعات إلا أنهم كانوا منصوبين لعامة الأُمور و كافة الشؤون، و كان تصدّيهم للجمعة من مقتضيات مقامهم حسب ما يقتضيه التعارف الخارجي، لا أنهم كانوا منصوبين بالخصوص لهذا الشأن، و بين الأمرين بون بعيد.

و أما في عصر سائر المعصومين (عليهم السلام) فلم يثبت منهم النصب رأساً و لا في مورد واحد، بل قد ثبت منهم الإذن على سبيل الإطلاق من دون تعيين شخص خاص كما تفصح عنه الأخبار المرخّصة لإقامتها في القرى إذا كان فيهم من يخطب لهم و غيرها فدعوى استقرار السيرة مع عدم ثبوت النصب حتى في مورد واحد من غرائب الكلام[17].

الوجه الرابع: ما ذكره السيد البروجردي “قده” من أنّ وزان الجمعة عندنا وزان صلاة العيدين في الشرائط، و إقامة صلاة‌ العيدين و إمامتهما من المناصب المختصة بالأئمة عليهم السلام أو من نصب من قبلهم، و إنما تصداها خلفاء الجور و أمراؤهم بتبع غصب مقام الخلافة و الإمامة، فيظهر من ذلك أنّ إقامة الجمعة أيضا من المناصب، و يشهد لكون إمامة العيدين من مناصبهم المختصة ما رواه الصدوق بإسناده (المذكور في المشيخة بقوله وما كان فيه عن حنان بن سدير فقد رويته عن أبي؛ و محمّد بن الحسن- رضي اللّه عنهما عن سعد بن عبد اللّه؛ و عبد اللّه بن جعفر الحميريّ جميعا عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن حنان[18]) عن حنان بن سدير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: يا عبد الله ما من عيد للمسلمين أضحى و لا فطر إلّا و هو يجدد لآل محمّد (صلّى الله عليه و آله) فيه حزن قال: قلت: و لم؟ قال: لأنّهم يرون حقّهم في يد غيرهم[19].

وفيه أنه لم يعلم من هذه الرواية كون المراد من الحق منصب اقامة صلاة العيد، فلعله حق الخلافة، فلم يبق لهم عيد بعد غصبها، وان كان النظر الى اقامة صلاة العيد فلعله لاجل جريان العادة على اقامة الامراء لها، ولو لم تكن من المناصب المجعولة شرعا للامراء.

هذا مضافا الى ضعف سند الرواية فان الظاهر كون الراوي عن الامام (عليه السلام) في هذه الرواية عبدالله بن دينار، كما في الكافي[20]، وعلل الشرايع[21]، وفي الفقيه المطبوع اخيرا، وانما كتب في الهامش: في بعض النسخ: عبد الله بن سنان[22]، ولم يعهد رواية ابن سنان عن ابي جعفر (عليه السلام) كما لم يعهد رواية حنان بن سدير عنه، وقد ذكر المجلسي الاول “ره” في روضة المتقين في ذيل هذه الرواية: وفي بعض النسخ عبد الله بن دينار كما في الكافي، و هو الصواب، لعدم رواية ابن سنان عن أبي جعفر (عليه السلام) فيما عهدناه[23]، ولم يثبت وثاقة عبد الله بن دينار.

الوجه الخامس: استدلاله “قده” بما في الصحيفة السجادية من قوله “عليه السلام” في دعاء يوم الأضحى و الجمعة: اللهم إنّ هذا المقام لخلفائك و أصفيائك و مواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزّوها و أنت المقدِّر لذلك، لا يغالب أمرك، و لا يتجاوز المحتوم من تدبيرك كيف شئت، و أنّى شئت، و لما أنت أعلم به غير متهم على خلقك و لا لإرادتك حتى عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين يرون حكمك مبدّلا و كتابك منبوذا و فرائضك محرّفة عن جهات اشراعك، و سنن نبيّك متروكة، اللهم العن أعداءهم من الأوّلين و الآخرين و من رضي بفعالهم و أشياعَهم و أتباعَهم[24]، فدعاؤه (عليه السلام) بهذا الدعاء في يوم الجمعة من أدلّ الدلائل على أنّ إمامة الجمعة كانت من مناصب الائمة التي غصبوها بتبع غصب الخلافة.

وأما بلحاظ السند فكون الصحيفة من الإمام (عليه السلام) من البديهيات، و هي زبور آل محمد (صلّى الله عليه و آله) يشهد بذلك أسلوبها ومضامينها التي يلوح منها آثار الإعجاز، و لها أسناد ذكرها الشيخ و النجاشي، و لشارحها السيد عليخان أيضا سند عن‌ آبائه، و لنا أيضا سند آخر إليها[25].

اقول: اثبات صحة جميع ما في كتاب الصحيفة السجادية وصدورها من الامام (عليه السلام) مشكل جدا، فانا لم نجد سندا صحيحا او مستفيضا اليها[26]، والراوي لها عن يحيى بن زيد هو متوكل بن عمر بن متوكل على ما في رجال النجاشي والشيخ، وهو ممن لم يوثق، وقد ذكر المحدث النوري في خاتمة المستدرك أنه لو كان هذا الكتاب من تأليف الإمام (عليه السلام) لما كان يخفى على ولده الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) و من الظاهر أنّهم ما كانوا يخفون أمثال ذلك عن شيعتهم و مواليهم، و لا سيّما عن خواصّهم و معتمديهم، كما أخبروهم بكتاب عليّ، و صحيفة فاطمة، و لو كانوا مطّلعين عليه لكانوا يصرّحون به في كثير من أخبارهم، و لكانوا يأمرون الشيعة بالرجوع إليه، و الأخذ عنه، كما أمروهم بالرجوع إلى جملة من كتب الرواة، في عدّة من الروايات[27].

وقد ذكر السيد الامام “قده”: الصحيفة المباركة السجّاديّة سندها ضعيف، و علوّ مضمونها و فصاحتها و بلاغتها و إن توجب نحو وثوق بصدورها، لكن لا توجبه في جميع فقراتها واحدة بعد واحدة حتّى تكون حجّة يستدلّ بها في الفقه، و تلقّي أصحابنا إيّاها بالقبول كتلقّيهم نهج البلاغة به لو ثبت في الفقه أيضا، إنّما هو على نحو الإجمال و هو غير ثابت في جميع الفقرات[28].

فان حصل الوثوق الشخصي بصحة هذه الرواية فهو والا فيشكل الاعتماد عليها.

وأما الكلام في دلالتها فيورد عليها عدة ايرادات:

1- ان غايته أن مقام إقامة الجمعة حق مختص بهم (عليهم السلام) فلا ينافي تفويضه لشيعتهم و ترخيصهم في إقامتها من دون تعيين شخص خاص، والدليل على التفويض الى الشيعة هو صحيحة زرارة “عن ابي جعفر (عليه السلام) قلت له: على من تجب الجمعة؟ قال: تجب على سبعة نفر من المسلمين. و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم”، وما ذكره السيد البروجردي “قده” من احتمال كون الذيل من كلام الصدوق وفتواه، لان كتاب الفقيه كتاب فتوى، ففيه مضافا الى كونه خلاف الظاهر أنه يكفي صدر الرواية، اي قوله “تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين” فان ظاهره وجوب الاقامة لا مجرد الحضور بعد الاقامة وحمله على سبعة احدهم الامام او المنصوب من قبله غير عرفي جدا، ويشبه الحمل على النادر.

ويدل عليه ايضا صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة و ليلبس البرد و العمامة و يتوكأ على قوس أو عصا و ليقعد قعدة بين الخطبتين و يجهر بالقراءة و يقنت في الركعة الأولى منهما قبل الركوع[29]، و دعوى أن مرجع الضمير في قوله “كانوا” و “و ليلبس” غير مذكور، فلعلّ الأول يرجع إلى قوم خاص وجد لهم شرائط الجمعة، و الثاني إلى من كان من شأنه إقامتها، أعني الإمام أو من نصبه، مضافا الى عدم كون الرواية في مقام بيان وجوب الجمعة على الجميع أو كون الجميع مأذونين في إقامتها، بل الصدر منه في مقام بيان العدد المعتبر و الذليل في مقام بيان الكيفية التي ينبغي للإمام أن يراعيها[30]، خلاف الظاهر جدا.

وكذا صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن أناس في قرية، هل يصلّون الجمعة جماعة؟ قال: نعم، و يصلّون أربعا إذا لم يكن من يخطب، وصحيحة الفضل بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: إذا كان القوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فان كان لهم من يخطب لهم جمَّعوا …[31]، والظاهر منهما أنه اذا كان امام يخطب جازت صلاة الجمعة، والحمل على الامام او المنصوب من قبله بعيد جدا.

فلا يتم ما عن السيد البروجردي “قده” من المانقشة في دلالة هاتين الروايتين على صدور الاذن العام في اقامة صلاة الجمعة، بدعوى أنه يمكن أن يقال: ان المراد من الجمعة في صحيحة محمّد بن مسلم صلاة الظهر في يوم الجمعة، و يكون السؤال عن أهل القرية من جهة أنّهم لا يتمكنون غالبا من إقامة الجمعة لعدم وجود الإمام أو المنصوب من قبله، و يكون قوله “إذا لم يكن من يخطب” لتنقيح الموضوع لا للاحتراز. فحاصل السؤال أنّه هل يجوز الإتيان بالظهر جماعة في موضع لا يتمكن فيه من الجمعة؟، و حاصل الجواب: نعم، يجوز ذلك و يصلّيها أربعا حيث لم يوجد من يقيم الجمعة و يخطب لها كما هو المفروض في السؤال.

فإن قلت: مقتضى مفهوم الشرط أنه يجوز لأهل القرى إقامة الجمعة إذا وجد فيهم من يقدر على الخطبة، و هو المطلوب.

قلت: اولا: إنّ القيد الوارد مورد الغلبة لا يكون له مفهوم كما في قوله تعالى “وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ”: وثانيا: إنّه ليس المراد بقوله “من يخطب” كلّ من يقدر على الخطبة، بل المراد به من كان من شأنه إقامة الجمعة و قراءة الخطبة كالإمام أو من نصبه، إذ الكلام قد ألقي إلى من غرس في ذهنه بحسب السيرة المستمرة التي هي كالقرينة المتصلة كون إقامة الجمعة و قراءة الخطبة من الوظائف لأشخاص معينة، فيتبادر إلى ذهنه من هذا الكلام أنّ أهل القرى يصلّون الظهر أربعا إذا لم يوجد فيهم شرط إقامة الجمعة أعني من يكون إقامة الجمعة و الخطبة من مناصبه و وظائفه، كيف؟

و لو كان المراد به كلّ من يقدر عليها لكان ذكره لغوا، إذ قلّما يفرض من لا يقدر على أقلّ الواجب من الخطبة و لا سيما فيمن يتكلّم بالعربية، و كيف لا يقدر على أقلّ الواجب منها من يؤمّ القوم في القرية و يقيم لهم الجماعة مع أنّ أقلّ الواجب منها لا يزيد على قراءة الصلاة مثلا و هي مما يعرفها و يقدر عليها كلّ مسلم؟

و بهذا البيان يظهر لك الجواب عن رواية البقباق الفضل بن عبد الملك أيضا، حيث علق فيها إقامة الجمعة على وجود من يخطب لهم، و قد عرفت أنّ المراد به من كان قراءة الخطبة من شئونه و مناصبه لا كلّ من يقدر عليها. و قوله “صلّوا الجمعة أربع ركعات” من أقوى الشواهد على ما ذكرناه من كون المراد بالجمعة في رواية محمد بن مسلم أيضا هو الظهر لا الجمعة المصطلحة، و يمكن أن يقال: إنّ سوق رواية البقباق و محمد بن مسلم إنّما هو لبيان جواز إقامة الجمعة في القرية إذا فرض من باب الاتفاق وجود الإمام أو من نصبه فيها.

فالروايتان ناظرتان إلى ردّ أبي حنيفة، حيث اشترط في صحة الجمعة أن تنعقد في الأمصار و حكم ببطلانها في القرى و إن وجد فيها الإمام أو نائبه[32].

وما ذكره في آخر كلامه من كون الروايتين في مقام رد ابي حنيفة لو فرض تماميته لا يأتي في موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة فقال أما مع الإمام فركعتان و أما من يصلي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر، يعني إذا كان إمام يخطب فأما إذا لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات و إن صلوا جماعة[33].

2- ما ذكره بعض الاعلام “قده” من أنّ من المحتمل قويّا أن يكون المقصود من المقام في كلامه (عليه السّلام) هو الرئاسة العامّة التي من مظاهرها إقامة صلاة الجمعة و العيد، كما يدلّ على ذلك أو يؤيّده قوله بعد ذلك: حتّى عاد صفوتك و خلفائك مغلوبين مقهورين مبتزّين، يرون حكمك مبدّلا و كتابك منبوذا و فرائضك محرّفة عن جهات إشراعك و سنن نبيّك متروكة” لوضوح أنّ ذلك كلّه ليس مترتّبا على إقامة الجمعة و العيد، بل يكون مترتّبا على غصب الرّئاسة العامّة الإلهيّة، فيكون المقصود أنّ إعطائهم مقام الرّئاسة الظاهرية العامة إنّما حصل في ضمن إعطاء الدرجة الرّفيعة العالية المعنويّة الّتي هي الولاية الحقيقيّة و الخلافة الإلهيّة، وقد ابتزوا هذه الرئاسة الظاهرية، و تأنيث الضمير في قوله “ابتزوها” لعلّه من باب الإشارة إلى كون المراد من المقام هو الرّئاسة أو الحكومة أو الولاية الظاهرية[34].

اقول: الظاهر أن تأنيث الضمير لأجل قوله “ومواضع امنائك” والجمع للاشارة الى صلاة اجمعة والعيدين، او لأجل كون المنصب هو اقامة صلاة الجمعة، او ان الضمير راجع الى الدرجة الرفيعة ويراد بها الرئاسة الظاهرية دون الامامة المعنوية التي لا تقبل الغصب، وكيف كان الحمل على كون المراد من المقام الرئاسة الظاهرية العامة التي من شؤونها العرفية كانت اقامة الجمعة بعيد عرفا من مساق الحديث وبعد ان دعا للمجتمعين لصلاة الجمعة.

3- ما ذكره ايضا من أنه على فرض كون المراد من المقام هو مقام إقامة الجمعة، فلا ريب أنّ المشار إليه هو الصّلاة المأتيّ بها بعنوان الإمامة و الخلافة، و من المعلوم أنّ ذلك منحصر بالإمام، و هذا نظير أخذ الصّدقات من باب الولاية، حيث إنّ أخذها بعنوان الوكالة عن أربابها ليس تصدّيا لمقام الولاية، بخلاف أخذها من باب الولاية، فإنّ ذلك يكون غصبا لمقام الامام.

اقول: التعبير بكون هذا المقام للامام، ظاهر في كون المشار اليه مقام امامة الجمعة، وهذا يقتضي باطلاقه كونه منصبا لهم مطلقا، لا امامة الجمعة بعنوان ولي الامر، فانه تقيد خارج عن فهم العرف.

4- ما ذكره ايضا: من أنّه لو كان المقصود أنّ مطلق إقامة الجمعة و إمامتها حقّ لهم، فالظاهر أنّ ذلك لا يقتضي اكثر من عدم جواز مزاحمتهم، لا عدم مشروعية إقامة الجمعة الا باذنهم، فيما لم تكن مزاحمة لهم كما إذا كان مقيما في أرض ليس فيها إمام و لا منصوب، أو كان في زمان الغيبة، نظير كون المسجد حقّا للمصلّي فانه يعني عدم جواز مزاحمته، و في صدر الدّعاء المذكور ما يدلّ على محبوبيّة تلك الجماعة الّتي إمامها غاصب و كونها راجحة على تركها المطلق، حيث قال “اللّهمّ هذا يوم مبارك ميمون، و المسلمون فيه مجتمعون في أقطار أرضك، يشهد السّائل منهم و الطالب و الرّاغب و الرّاهب، و أنت الناظر في حوائجهم، مهما قسّمت بين عبادك المؤمنين من خير أو عافية أو بركة أو هدى، أو ترفع لهم عندك درجة، أن توفّر حظّي و نصيبي منه، و أن تغفر لنا و لهم”.

اقول: ظاهر كون مقام امامة الجمعة للائمة (عليهم السلام) عدم مشروعية التصدي لها لغيرهم الا باذنهم، لا مجرد عدم مزاحمتهم، فان الاصل الاولي بالنسبة الى ما ثبت كونه حقا لشخص هو ذلك، كحق التحجير، لا مجرد عدم جواز المزاحمة، والقرينة على كون المسجد حقا للمصلي بمعنى عدم جواز مزاحمته هو السيرة وعدم الدليل على اكثر من عدم جواز المزاحمة، وأما الدعاء للمجتمعين في صلاة الجمعة فلاريب في كونه بنحو القضية الحقيقية، اي مع غمض العين عن انحراف المجتمعين لصلاة الجمعة في ذلك الزمان الذي كان زمان بني امية، وكيف يكون اجتماع النواصب ومن تبعهم محبوبا لله تعالى.

5- ما يقال –كما عليه السيد الامام “قده” من أن امامة الجمعة وان كانت من مناصب الأئمة (عليهم السلام) لكن ثبت بادلة ولاية الفقيه أن كا ما ثبت لهم من ولاية اعتبارية فقد فوّضوها الى الفقهاء، فلا يجوز لغير الفقيه الذي له ولاية الامر امامة الجمعة الا باذنه.

وكان السيد البروجردي “قده” ملتفتا الى هذا الوجه، وقد اجاب عنه بأنه لا دليل على أن كا ما ثبت لهم فقد فوّضوه الى الفقهاء، بل خصوص ما علم أنهم لم يهملوا امره في اي حال من الأحوال، حتى مع عدم بسط يدهم من ادارة نظام البلاد واقامة الحدود والجهاد، حيث ان اهمال امره يؤدي الى الهرج والمرج في المجتمع، وليست اقامة صلاة الجمعة من هذا القبيل، فلا دليل على تفويضهم اقامتها الى الفقهاء[35].

اقول: ما ذكره بناء على ما هو الصحيح من عدم وجود اطلاق لفظي على ثبوت الولاية للفقيه وانما الدليل عليه حكم العقل من باب الامور الحسبية التي تختص بما علم بعدم رضى الشارع باهماله، لكن الانصاف استبعاد مأذونية الفقيه في ادارة المجتمع واقامة الحدود، وعدم ماذونية في اقامة فريضة صلاة الجمعة.

الوجه السادس: رواية الصدوق في العيون و علل الشرايع عن رسالة العلل للفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) إن قال فلم صارت صلاة الجمعة إذا كانت مع الإمام ركعتين و إذا كانت‌ بغير إمام ركعتين و ركعتين قيل لعلل شتى منها أن الناس يتخطون إلى الجمعة من بعد فأحب الله عز و جل أن يخفف عنهم لموضع التعب الذي صاروا إليه و منها أن الإمام يحبسهم للخطبة و هم منتظرون للصلاة و من انتظر الصلاة فهو في الصلاة في حكم التمام و منها أن الصلاة مع الإمام أتم و أكمل لعلمه و فقهه و فضله و عدله و منها أن الجمعة عيد و صلاة العيد ركعتان، و لم تقصر لمكان الخطبتين فإن قال فلم جعلت الخطبة قيل لأن الجمعة مشهد عام فأراد أن يكون للإمام سبب إلى موعظتهم و ترغيبهم في الطاعة و ترهيبهم من المعصية و فعلهم و توقيفهم على ما أرادوا من مصلحة دينهم و دنياهم و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفات من الأحوال التي لهم فيها المضرة و المنفعة و لا يكون الصائر في الصلاة منفصلا و ليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة[36]

فذكر السيد البروجردي “قده” أن دلالة الحديث على كون إقامة الجمعة من مناصب الإمام عليه السلام و من هو سائس المسلمين و زعيمهم بل على كون ذلك أمرا مفروغا عنه مما لا تخفى على أحد، و المستفاد من الحديث أنّ المراد بالإمام ليس مطلق إمام الجماعة بل هو إمام خاص يختص به إقامة الجمعة. فالمقصود منه الإمام الأصل أو من نصب من قبله لذلك، و احتمال حمله على كل من يقدر على الخطبة مردود بأنّ أقلّ الواجب من الخطبة إنما يقدر عليه كل من تصدى لإمامة الجماعة. مضافا إلى أنه لو كان إقامة الجمعة واجبة على الجميع و لم تكن من المناصب الخاصة لوجب على الناس تعلم الخطبة و إقامة الجمعة، فلم يكن وجه لتعليق وجوب الركعتين على وجود الإمام، فالمراد بالإمام في الرواية هو الذي نصب من قبل زعيم المسلمين لقراءة الخطبة و إقامة الجمعة، و هو المتبادر إلى أذهانهم، حيث إنّ المتداول المعمول عندهم لم يكن إلّا تصدي المنصوبين لها، و بالجملة المتبادر من لفظ إمام في الحديث هو إمام خاص، و هو الذي فهمه الراوي، حيث فسّره بالإمام الذي يخطب. و السّرّ في ذلك ما أشرنا إليه سابقا من استقرار السيرة المستمرة على تصدي أشخاص خاصة لإقامتها و قلنا إنّ هذه السيرة بمنزلة القرينة المتصلة للروايات[37].

و اجاب عنه السيد الخوئي “قده” اولا: بأن لرواية ضعيفة السند، لضعف طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان، فان في الطريق علي بن محمد بن قتيبة و لم يوثّق، و عبد الواحد بن عبدوس النيشابوري العطار الذي هو شيخ الصدوق و لم يوثق أيضاً. نعم قد ترضّى عليه الصدوق عند ذكره فقال: رضي اللّٰه عنه، لكنه غير كاف في التوثيق.

وثانيا: بأن الامتياز المزبور مما لا مساغ لإنكاره، غير أنه ليس لأجل اعتبار هذه الأُمور في إمام الجمعة شرعاً بحيث لا تنعقد مع الفاقد لها، بل لأن طبع الحال يقتضي ذلك، إذ بعد كون الجمعة مشهداً عظيماً يشترك فيه جميع المسلمين، لانحصار عقدها في البلد و نواحيها إلى ما دون الفرسخين من كل‌ جانب في جمعة واحدة، فلا محالة يتقدم الأصلح منهم، الأفقه الأفضل الأعدل، الخبير بأحوال المسلمين و البصير بشؤونهم، كي يتمكن من أداء خطبة ينتفع منها جميع الحاضرين، دون غير الأصلح المقتصر على مسمى الخطبة أو ما لا تتضمن مصالحهم، فاتصاف الامام بهذه الصفات في مثل هذه الصلاة التي تمتاز عن صلاة بقية الأيام بما ذكر، مما تقتضيه طبيعة الحال و الجري الخارجي المتعارف بين المسلمين، فهو اعتبار عرفي لا شرط شرعي، و بين الأمرين بون بعيد[38].

اقول: العمدة هو الاشكال الدلالي وأن ما في العلل بيان لحكمة الاحكام والفوائد التي قد تترتب عليها كما لا يخفى على من راجعها، كيف ولازم كونه علة عدم صحة امامة الامام المعصوم غير مبسوط اليد، حيث لا يصل اليه بالطرق العادية أخبار الآفاق مما لا تصل الى عامة الناس، وأما لفظ الامام فلعل المراد منه امام عادل يخطب.

وأما الاشكال السندي فيمكن تصحيح سند الصدوق الى كتاب العلل لفضل بن شاذان بدعوى أن الصدوق ذكر طريقين الى هذا الكتاب، كما أن الشیخ الطوسی(ره) فی الفهرست ذكر طريقا ثالثا للصدوق الى هذا الكتاب حيث ذكر في ترجمة الفضل بن شاذان: “الفضل بن شاذان النیسابوری، فقیه متکلم جلیل القدر له کتب ومصنفات منها … کتاب العلل…. اخبرنا بروایاته وکتبه هذه أبو عبد الله المفید رحمه الله، عن محمد بن علی بن الحسین بن بابویه، عن حمزة بن محمد العلوی، عن ابی نصر قنبر بن علی بن شاذان، عن ابیه، عنه، وكثرة هذه الطرق تورث الوثوق بسند كتاب العلل الى الفضل بن شاذان.

نعم ذكر بعض السادة الاعلام (دام ظله) أن كتاب علل الفضل بن شاذان من تصانیفه ولیس کتاب حدیث، وذكر عدة شواهد علی ذلك، منها: أن هذا الكتاب يشتمل على ما يطمئن بعدم كونه من الامام (عليه‌السلام)، كقوله “فان قال قائل: فاخبرنی لم‌کلّف الخلق؟ قیل لعلل: فان قال فاخبرنی عن تلک العلل معروفة موجودة هی ام غیر معروفة ولا موجودة؟ قیل بل هی معروفة موجودة عند أهلها فان قال قائل: أتعرفونها انتم ام لا تعرفونها؟ قیل لهم منها ما نعرفه ومنها ما لا نعرفه…([39])، وكيف يقول الامام (عليه‌السلام) نحن لانعرف بعض العلل وهي معروفة عند اهلها، وهل اهلها غير الائمة (عليهم‌السلام).

و قد تكرر فيه التعبير بقوله: فان قال قائل… قیل له…وقد ورد فيه أنه قد روي عن بعض الائمه (علیهم السلام) انه قال: لیس من میت یموت الّا خرجت منه الجنابة فلذلک وجب الغسل([40])، وهذا التعبير لايصدر من الامام (عليه‌السلام)، مع أن مضمونه خطأ، اذ لو فرض خروج المني من الانسان حين موته فيختص ذلك بالبالغ لأنه لامني للصبي.

بل توجد شواهد علی انّ الفضل بن شاذان لم‌یدرک الرضا (عليه‌السلام) فضلاً عن ان یکون قد سمع منه الحديث مرة بعد مرة وشیئاً بعد شیء، على ما نقله الصدوق عنه.

منها: أنه ذکر النجاشی: الفضل بن شاذان بن الخلیل ابو محمد الازدی النیسابوری، کان ابوه من اصحاب یونس وروی عن ابی جعفر الثانی(عليه‌السلام)، وقیل الرضا (عليه‌السلام) ایضا، وظاهره انّ والد الفضل کان من اصحاب الامام الجواد (عليه‌السلام)، فكيف يكون هو من اصحاب الرضا (عليه‌السلام).

وهكذا عدّ الشيخ الطوسي فی رجاله الفضل بن شاذان تارة من اصحاب الامام الهادی(عليه‌السلام) واخری من اصحاب الامام العسکری(عليه‌السلام) ولم‌یعدّه من اصحاب الامام الجواد(عليه‌السلام) فضلاً عن ان یکون من اصحاب الرضا (عليه‌السلام).

و الجواب عن هذا الاشكال أن ما ذكر لا يوجب رفع اليد عن الشهادة التي نقلت في كتاب علل الشرايع وعيون أخبار الرضا عن الفضل بن شاذان، حيث قال الصدوق: حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: قلت للفضل بن شاذان لما سمعت منه هذه العلل أخبرني عن هذه العلل التي ذكرتها عن الاستنباط والاستخراج وهي من نتائج العقل او هي مما سمعته ورويته؟ فقال لي ما كنت أعلم مراد الله بما فرض ولامراد رسوله (صلى الله عليه وآله) بما شرع وسن، ولاأعلل ذلك من ذات نفسي، بل سمعنا من مولاي ابي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام) مرة بعد مرة والشيء بعد الشيء فجمعتها، فقلت: فأحدث بها عنك عن الرضا (عليه‌السلام) فقال: نعم([41])، واضاف في العيون (وحدثنا الحاكم ابو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان النيسابوري رضي الله عنه عن عمه ابي عبدالله محمد بن شاذان عن الفضل بن شاذان أنه قال: سمعت هذه العلل من مولاي ابي الحسن بن موسى الرضا (عليهماالسلام) فجمعتها متفرقة وألفتها).

كما ذكر الصدوق في مشيخة الفقيه أن ما كان فيه عن الفضل بن شاذان من العلل التي ذكرها عن الرضا (عليه‌السلام) فقد رويته عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار رضي الله عنه عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان النيسابوري عن الرضا (عليه‌السلام).

و نحن نقبل انّ کتاب العلل تصنيف فضل بن شاذان، ولکن هذا لا ینافی ان یکون المطالب المذکورة فی الکتاب من الامام الرضا (علیه السلام)، ولو بنحو النقل بالمعنی، الّا ما علم بعدم صدوره من الامام فيكون صادرا من الفضل نفسه، مثل قوله “منها ما لا نعلمه…” وهكذا قوله “فقد نروي عن الائمة” فان قيام القرینة على عدم صدور بعض المطالب من الامام لايوجب أن يرفع اليد عن شهادة الصدوق بصدور المطالب المذكورة فی الکتاب عن الامام الرضا (عليه‌السلام) بالنسبة الى بقية المطالب.

و أما ما ذكره من الشواهد على عدم كون الفضل من أصحاب الرضا (عليه السلام) فيرد عليه أنه ثبت بطريق معتبر كون الفضل سمع من الرضا (عليه‌السلام) لما تقدم من صحة طریق الصدوق الی الفضل، فما دام لم‌يوجد شاهد قطعی علی انّ الفضل لا یمکن أن يروي عن الرضا (علیه السلام) لا وجه لرفع الید عن هذه الشهادة المعتبرة.

ويؤيد ذلك وجود اربع روایات اخری فی عیون اخبار الرضا عن الفضل بن شاذان أنه قال سمعت ابا الحسن علی بن موسی (علیه السلام)([42]) وروايتين في التوحيد([43])، نعم طريق الصدوق في هذه الروايات نفس احد الطريقين الى كتاب العلل لفضل بن شاذان.

ويشهد على امكان رواية الفضل عن الرضا (عليه‌السلام) انّه روى عن حماد بن عیسی (و تبلغ احادیثه 136 حدیثاً) وحماد توفي فی سنة 208 أي سبع سنوات بعد استشهاد الامام الرضا (علیه السلام)، وكان مقيما فی الکوفة، وکذلک روى 316 حدیثا عن صفوان بن یحیی المتوفى سنة 210، وعليه فلابعد فی رواية الفضل عن الرضا (علیه السلام) قبل ذلک بسنوات قلیلة فی موطنه فی نیسابور او طوس قبل أن يسافر الى الكوفة، ولا اقل من وجود الاحتمال العقلائی فی حق الفضل انه ادرک الرضا (علیه السلام)

و أما کلام الشیخ الطوسی فهو ليس نفيا لكون الفضل قد ادرك الرضا (عليه‌السلام) فلعل منشأه انّ الشیخ کان دأبه ملاحظة الروايات التي وصلت اليه، ولما لم‌یکن في شیء منها رواية الفضل عن الرضا (علیه السلام) لم‌یعده من اصحابه، فشهادة الشیخ بکون الفضل من اصحاب الهادی والعسکری (علیهما السلام) لا تکون شهادة علی عدم کونه من اصحاب الرضا (علیه السلام)، وهكذا الامر بالنسبة الى النجاشی، وما نقله من انّ والد الفضل کان من اصحاب یونس وروی عن ابی جعفر الثانی (علیه السلام) وقیل الرضا (علیه السلام) لا ينافي كون الفضل من اصحاب الرضا (عليه‌السلام) لعدم البعد فی عدم نقل الاب من امام لعدم کونه من خاصته ونقل الابن منه ويجوز أن يكون الاختلاف بينهما في السن يسيرا.

الوجه السابع: ما يقال كما حكي عن السيد البروجردي “قده” من أنه ورد في عدة من الروايات أنه إذا اجتمع عيد و جمعة، فالامام يأذن في ترك الحضور لصلاة الجمعة كصحيحة الحلبي «أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الفطر و الأضحى إذا اجتمعا في يوم الجمعة، فقال: اجتمعا في زمان علي (عليه السلام)، فقال: من شاء أن يأتي إلى الجمعة فليأت، و من قعد فلا يضرّه‌ و ليصلّ الظهر، و خطب خطبتين جمع فيهما خطبة العيد و خطبة الجمعة، و رواية إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فإنه ينبغي للإمام أن يقول للناس في خطبته الاولى: إنه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أُصليهما جميعاً، فمن كان مكانه قاصياً فأحبّ أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له[44].

وهذا ظاهر في كونه حق الامام (عليه السلام) و إلا فكيف يسوغ له الترخيص في ترك فريضة عينية إلهية، و هل ذاك إلا كترخيصه في ترك صلاة الغداة مثلًا.

وفيه أنه الظاهر منهما الرخصة الشرعية، والامام يبرز ذلك.

الوجه الثامن: عدة روايات دلت على أن الجمعة من مناصب الامام (عليه السلام) كخبر دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) أنه قال: لا يصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلابامام[45] و في كتاب الأشعثيات عن جعقر بن محمد (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام) قال: لا يصح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلا بإمام[46]، وروي مرسلا عنهم (عليهم السلام): ان الجمعة لنا و الجماعة لشيعتنا[47]، وتقريب الاستدلال واضح .

و الجواب: مضافاً إلى ضعف أسانيد الجميع بالإرسال، أنّ غاية ما يستفاد منها كون الجمعة حقاً للإمام (عليه السلام) و مِن مناصبه بحسب الجعل الأوّلي، فلا ينافي ذلك إذنهم (عليهم السلام) للشيعة و ترخيصهم في إقامتها على سبيل الإطلاق كما ثبت في الحكم و نحوه، و قد ثبت الاذن العام عنهم (عليهم السلام) في المقام بمقتضى الأخبار المتقدّمة.

فتحصل من جميع ما ذكرناه عدم تمامية القول الثالث وأن اقامة صلاة الجمعة في عصر الغيبة مشروعة بالاذن العام، بلا حاجة الى نصب الامام او الحاكم العادل.

وأما القول الرابع وهو ما اختاره جماعة من وجوب الاقامة تخييرا ولكن اذا اقيمت بشرائطها وجب الحضور فيها للآخرين تعيينا، ولا ينبغي الاشكال في أن ان ثبت اجماع تعبدي على عدم وجوب الاقامة تعيينا في عصر الغيبة، -كما تقدم دعواه عن المحقق الحلي والعلامة بل ذكر المحقق الهمداني والسيد الخوئي “قدهما” انه لو كانت الاقامة واجبة تعيينة لبان واشتهر- فالمتعين هو القول بوجوب الحضور على تقدير الاقامة بشرائطها، ويكفي في اثباته مثل صحيحة محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: تجب الجمعة على كل من كان منها على فرسخين[48]، وصحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم جميعاً عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: إن اللّٰه عز و جل فرض في كل سبعة أيام خمساً و ثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة: المريض و المملوك و المسافر و المرأة و الصبي[49]، فان ظاهرهما وجوب الحضور، وليس ذلك مخالفا للاجماع، ففی الجواهر أن القول بالتخيير في العقد خاصة دون الحضور هو أحد القولين بين أهل التخيير، بل قيل انه أشهرهما[50].

وما عن بعض السادة الاعلام “دام ظله” من أنه بعد ظهور الروايات الآمرة بصلاة الجمعة في اقامتها ولزوم حملها على التخيير لاجماع او غيره، فلا قرينة على حملها على وجوب الحضور بعد الاقامة ففيه أن الدليل على الحضور بعد الاقامة لا ينحصر بما يكون ظاهرا في الامر بالاقامة، كما تقدم بيانه فلابد من الأخذ بظاهره.

هذا ولو ثبت الاجماع على عدم الوجوب التعييني للاقامة فيتعين حمل بقية الروايات على وجوب الحضور مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: صلاة الجمعة فريضة و الاجتماع إليها فريضة مع الإمام، فإن ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، و لا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق[51]، وان لم يمكن حملها على وجوب الحضور فلابد من الحمل على وجوب الاقامة تخييرا مع عدم كون امام الجمعة منصوبا من قبل الائمة (عليهم السلام) كصحيحته الأخرى “تجب على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين، أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا، أمّهم بعضهم و خطبهم” على أن الوجوب تخييري).



[1] – تذكرة الفقهاء ج4ص 63المبسوط للسرخسي ج2ص 30 شرح فتح القدير ج2ص 30 بدائع الصنائع ج1ص 362

[2] – وسائل الشيعة ج7ص 304

[3] – وسائل الشيعة ج7ص 306

[4] – الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ج‌1، ص: 663‌

[5] – مصباح المتهجد ج‌1 ص 364 وسائل الشيعة ج 21ص 14

[6] – المراسم ص 72

[7] – السرائر ج1ص 301

[8] – رسائل الشريف المرتضى ج1ص 272 مختلف الشيعة ج 2ص 251

[9] – الخلاف ج1ص 626

[10] – النهاية ص 107و103

[11] – النهاية ص 302

[12] – المبسوط ج1 ص 143

[13] – البدر الزاهر ص 39

[14] – البدر الزاهر ص 37

[15] – موسوعة الامام الخوئي ج 11ص34

[16] – البدر الزاهر ص 37

[17] – موسوعة الامام الخوئي ج11ص32

[18] – من لا يحضره الفقيه؛ ج‌4، ص: 428

[19] – البدر الزاهر ص 40

[20] – الكافي ط دار الحديث ج7ص 654

[21] – علل الشرايع ج2ص 389

[22] – من لا يحضره الفقيه ج2ص 174

[23] – روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه ج3 ص 473

[24] – الصحيفة السجادية ص 236

[25] – البدر الزاهر ص 40

[26] – راجع بحار الانوار ج 103ص 211

[27] – خاتمة المستدرك ج‌1، ص: 268

[28] – المكاسب المحرمة ج1ص 481

[29] – وسائل الشيعة ج‌7 ص 313

[30] – البدر الزاهر ص 55

[31] – وسائل الشيعة ج7ص 306

[32] – البدر الزاهر ص 52

[33] – وسائل الشيعة ج7ص 310

[34] – صلاة الجمعة ص 108

[35] – البدر الزاهر ص 80

[36] – عيون اخبار الرضا ج2ص 111علل الشرائع ج‌1 ص 264

[37] – البدر الزاهر ص 45

[38] – موسوعة الامام الخوئي ج11ص36

[39] – علل الشرايع ص 252

-[40]علل الشرايع ص268

[41] – علل الشرايع ص274، عيون أخبار الرضا ج1ص127

[42] – عيون اخبار الرضا ج1ص19، 25، وج2ص109، 187

[43] – التوحيد ص137و 270

[44] – وسائل الشيعة ج7ص 477

[45] – دعائم الاسلام ج 1ص 182

[46] – مستدرك الوسائل ج17ص 402

[47] – جواهر الكلام ج11ص 158نقلا عن رسالة ابن عصفور

[48] – وسائل الشيعة ج7ص309

[49] – وسائل الشيعة ج7ص 299

[50] – جواهر الكلام ج 11ص 176

[51] – وسائل الشيعة ج7ص298