فهرست مطالب

فهرست مطالب


تقریرات دروس خارج مدرسه فقهی امام محمد باقر علیه السلام

 

 

التنبيه الحادي عشر: الكلام في توارد الحالتين.. 2

فروض توارد الحالتين.. 2

الاقوال فی المساله. 2

القول الاول: هو المشهور: تعارض الاستصحاب في مجهولي التاريخ.. 3

مناقشه. 3

القول الثاني: تعارض الاستصحابين مطلقا وهذا هو الصحيح.. 3

القول الثالث: عدم المقتضي لجريان الاستصحاب في مجهول التاريخ وجريانه في معلوم التاريخ.. 4

مناقشه. 4

القول الرابع: ما ذكره المحقق الحلي “ره”.. 5

مناقشه. 6

القول الخامس: ما ذكره السيد الامام “قده”.. 7

مناقشه. 8

القول السادس:جریان الاستصحاب فی فرض العلم بتاريخ احدهما… 9

ثمرة النزاع بين القول بقصور المقتضي في استصحاب توارد الحالتين والقول بالمعارضة. 12

فرع فقهي قد جمع فيه بين تعاقب الحادثين وتوارد الحالتين.. 13

التنبیه الثانی عشر: في استصحاب الصحة. 13

التنبيه الثالث عشر: في التمسك بعموم العام او استصحاب حكم المخصص15

تفصیل الشیخ الاعظم ره. 16

الصورة الاولى: ما لو كان الزمان قيدا لحكم العام. 16

الصورة الثانية: ما لو كان الزمان ظرفا لحكم العام. 16

تقسیم صاحب الکفایه. 17

تفسير مراد الشیخ ره من قيدية الزمان للعام وظرفيته. 18

الاحتمال الاول: 18

الاحتمال الثاني: 20

الاحتمال الثالث: 24

الايراد الاول: 25

الايراد الثاني: 26

الايراد الثالث: 27

الايراد الرابع: 28

الايراد الخامس: 28

الاحتمال الرابع: 30

الاحتمال الخامس: 31

ما نقل عن البعض من عكس تفصيل صاحب الكفاية. 32

الصحيح لزوم الرجوع الى العام والمطلق في الزمان الزائد، دون استصحاب حكم الخاص…. 36

کلام السيد الخوئي “قده”: استثناءان عن مرجعية عموم العام. 37

التمثیل و المناقشه. 37

 

موضوع: تنبیه 11 و 12 و 13 /تنبیهات /استصحاب

خلاصه مباحث گذشته:

متن خلاصه …

 

 

التنبيه الحادي عشر: الكلام في توارد الحالتين

يقع الكلام في توارد الحالتين، والفرق بينه وبين البحث السابق وهو تعاقب الحادثين أنه هناك كان الموضوع مركبا من ثبوت حادثين في زمان واحد، او عدم ثبوت احدهما الى زمان حدوث الآخر، بينمها أنه في توارد الحالتين يكون عنوان بسيط موضوعا لحكم شرعي، وتطرأ عليه حالة الوجود والعدم، ويشك في المتقدم والمتأخر منهما، كتوارد القلة والكرية في ماء، او توارد الطهارة والحدث في مكلف او توارد الطهارة والنجاسة في جسم، واشباه ذلك، وقد يكون التوارد في نفس الحكم الشرعي بأن يكون فعل محكوما بحكم في زمانٍ، ومحكوما بخلافه في زمانٍ آخر، ويشك في المتقدم والمتأخر منهما.

فروض توارد الحالتين

و فروض توارد الحالتين ثلاثة: حيث قد تكون الحالتان المتواردتان، كالطهارة والحدث مجهولي التاريخ، وقد يكون تاريخ الطهارة معلوما، وتاريخ الحدث مجهولا، وقد يكون تاريخ الحدث معلوما، وتاريخ الطهارة مجهولا.

الاقوال فی المساله

وعمدة الاقوال فيه ما يلي:

القول الاول: هو المشهور: تعارض الاستصحاب في مجهولي التاريخ

القول الاول: ما هو المشهور من تعارض الاستصحاب في مجهولي التاريخ، لتمامية اركان الاستصحاب في كليهما، وجريانه في معلوم التاريخ بلا معارض، إما بتقريب أنه في فرض العلم التفصيلي بالطهارة عند الزوال مثلا، فالعلم الاجمالي بالحدث إما قبل الزوال او بعده، وان كان موجودا حقيقة، لكن العرف يرى كونه مجرد شك في انتقاض الطهارة بالحدث المشكوك بعد الزوال، لعدم اثر فعلي للحدث قبل الزوال.

او بتقريب أن العلم الاجمالي بالحدث وان كان متحققا عرفا، لكن امره دائر بين ما لا اثر له وهو فرض كونه قبل تلك الطهارة، و بين ما لا يكفي احتماله فى جريان استصحابه، وهو كون الحدث بعد تلك الطهارة.

مناقشه

ولكن الصحيح عدم تمامية أي من التقريبين: أما التقريب الاول ففيه أنه لا وجه لانكار تمامية اليقين السابق والشك اللاحق في مجهول التاريخ في قبال معلوم التاريخ، بعد اليقين بالحدث المعلوم بالاجمال والشك في بقاءه، وأما التقريب الثاني فلأن مجرد أنه لو كان الحدث قبل الزوال فقد ارتفع بالطهارة عند الزوال يقينا، فلا اثر له، وأما حدوثه بعد الزوال فهو مشكوك، فهذا بمجرده لا يمنع من تمامية اركان الاستصحاب، وصدق نقض اليقين بالشك، بلحاظ اليقين بجامع الحدث في احد زمانين، والشك في بقاءه، ولو بلحاظ أنه لو وجد بعد الطهارة فهو باقٍ قطعا، ولو وجد قبلها فهو مرتفع قطعا.

والشاهد على ما ذكرناه أنه لو اغتسل عند طلوع الفجر بنية ما في الذمة، ثم رأى عند الزوال في ثوبه منيّا، فعلم بأنه إما أجنب في الليل او اول النهار، فلا يرى العرف تمحض الشك البدوي في طروّ الجنابة بعد الغسل، وتحقق موضوع الاستصحاب في الطهارة فقط دون الجنابة، ولا أقل من عدم احراز ذلك، فلا يحرز انعقاد ظهور دليل الاستصحاب في استصحاب الطهارة.

القول الثاني: تعارض الاستصحابين مطلقا وهذا هو الصحيح

القول الثاني: ما اختاره جماعة كالشيخ الاعظم والمحقق الهمداني([1]) والسيد الخوئي “قدهم” من تعارض الاستصحابين مطلقا، وهذا هو الصحيح.

القول الثالث: عدم المقتضي لجريان الاستصحاب في مجهول التاريخ وجريانه في معلوم التاريخ

القول الثالث: عدم المقتضي لجريان الاستصحاب في مجهول التاريخ وجريانه في معلوم التاريخ، وهذا ما اختاره صاحب الكفاية، وذكر في وجهه كونه شبهة مصداقية لانفصال زمان اليقين عن زمان الشك، حيث ان زمان الشك في الطهارة المجهول تاريخها هو الزمان الفعلي، وهو الساعة الثالثة، ولكن زمان اليقين بها مردد بين الساعة الاولى والثانية.

مناقشه

وفيه اولا: النقض بفرض العلم بتاريخ الطهارة مثلا، فان هذه الشبهة تأتي فيه ايضا، حيث ان زمان الشك الفعلي فيها لم يحرز اتصاله بزمان اليقين لاحتمال انفصاله عنه بزمان الحدث المعلوم بالاجمال.

وثانيا: الحل بأن احتمال تخلل الحدث المعلوم بالاجمال بين زمان اليقين والشك ليس بقادح، بعد عدم استلزامه لكون زمان اليقين بالحدث نفس زمان وقوع الحدث المعلوم بالاجمال.

وأما مجرد تردد زمان اليقين بين زمانين فمن الواضح عدم كونه قادحا، ولذا لو علم بطروّ الحدث إما في الساعة الاولى او الثانية واحتمل بقاءه على اي تقدير الى الساعة الثالثة، فلا يستشكل احد في جريان استصحابه.

وأما ما ذكره المحقق العراقي “قده” من أنه لا مجال للاستصحاب في مجهولي التاريخ، حيث ان ركن الاستصحاب الشك في بقاء الشيء وارتفاعه، ولا يشك فيهما في البقاء والارتفاع، فان الطهارة لو كانت في الساعة الاولى فهي مرتفعة يقينا و ان كانت في الساعة الثانية فهي باقية يقينا، وهكذا الحال في مجهول التاريخ في قبال معلوم التاريخ، حيث انه لو كان حدوثه قبل معلوم التاريخ فهو مرتفع يقينا، والا فهو باقٍ يقينا، وانما يجري الاستصحاب في معلوم التاريخ([2]).

ففيه أن المهم أن الطهارة المعلومة الحدوث في احدى الساعتين مشكوكة البقاء، فكما أن تردد مكان زيد بين البلد الذي لو كان فيه فقد مات قطعا وبين بلدٍ لو كان فيه فهو باقٍ قطعا، لا يمنع من استصحاب بقاء حياته، فكذلك الحال لو تردد زمان ولادته بين زمان لو ولد فيه فقد مات يقينا وبين زمان لو ولد فيه فهو باقٍ يقينا، فلا مانع من الاستصحاب لصدق نقض اليقين بالشك على عدم البناء على الحالة السابقة المتيقنة في احد الزمانين السابقين.

ودعوى أنه حيث لا يكون وجود الطهارة فعلا بقاء للطهارة السابقة على تقدير وجود الطهارة في الساعة الاولى، وانما يكون فردا جديدا من الطهارة، فلا يكون في هذا الفرض البناء على الطهارة ابقاء للمتيقن السابق عملا وتركا لنقضه، غير متجه، فانه لا يلزم فى مورد الاستصحاب الا اليقين بحدوث شيء واحتمال بقاءه فعلا، ولو على بعض التقادير، و هذا متحقق في المقام، لليقين بكل من الطهارة و الحدث فى زمانٍ و الشك فيه فى زمان آخر، وان كان بقاء كل منهما واقعا متوقفا على كونه حادثا في الساعة المتأخرة، ولكنه ليس بمهم في مقام التعبد الظاهري الاستصحابي.

ولا يجري فيه الشبهة التي ادعاها جماعة في مجهولي التاريخ في تعاقب الحادثين من كونه من قبيل استصحاب الفرد المردد، حيث ان التعبد ببقاء القلة مثلا الى واقع زمان الملاقاة لعله كان مشيرا الى الساعة الثالثة والمفروض اليقين بالكرية فيها، واين هذا مما في المقام من التعبد ببقاء الطهارة مثلا الى الزمان الفعلي، وهو محتمل المطابقة مع الواقع.

القول الرابع: ما ذكره المحقق الحلي “ره”

القول الرابع: ما ذكره المحقق الحلي “ره” في المعتبر، بل عن شرح الجعفرية نسبته الى المشهور بين المتأخرين، من أنه في مورد توارد الحالتين لابد من البناء ضد الحالة السابقة على الحالتين المتواردتين([3]).

وحاصل ما ذكره أنه لو علم المكلف بكون حالته السابقة في الساعة الاولى كانت هي الحدث حيث نام آنذاك جزما، ثم علم بأنه إما توضأ في الساعة الثانية، و نام نوما آخر في الساعة الثالثة، او نام نوما آخر في الساعة الثانية، وتوضأ في الساعة الثالثة، فيعلم بوجود فرد من الحدث في الساعة الاولى، كما يعلم بارتفاعه بوضوء بعده، إما في الساعة الثانية او الثالثة، ولا يعلم بوجود فرد آخر من الحدث، فانه لو نام في الساعة الثانية، وتوضأ في الساعة الثالثة، فلا يكون هذا النوم سببا لحدوث فرد آخر من الحدث، لأن المحدث لا يحدث ثانيا، ومعه فلا يجري استصحاب الحدث بخلاف استصحاب الطهارة، فانه جارٍ للشك في بقاء الطهارة.

مناقشه

وفيه أنه ان علم بتاريخ الحالة المماثلة للحالة السابقة، بأن علم بتاريخ النوم الثاني في هذا المثال، فيكون استصحاب الحدث المتيقن في هذا الزمان من قبيل استصحاب الفرد، كما اختاره السيد الخوئي “قده”، وقد تم فيه اركان الاستصحاب من اليقين السابق والشك اللاحق، وان جهل تاريخها فالصحيح أن استصحاب الحدث المتيقن عند النوم الثاني يكون من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلي، حيث ان الحدث عند النوم الثاني مردد بين كونه بقاء الفرد السابق وبين كونه فردا جديدا، فيتعارض مع استصحاب الطهارة.

نعم يوجد في قبال ذلك احتمالان آخران:

1- ما اختاره في البحوث من أن استصحابه من قبيل استصحاب الفرد، حيث ان تردد زمان حدوث الحادث بين زمانين لا يجعله من الكلي المردد بين فردين، بل هو مثل دوران ولادة زيد بين زمانين يقطع بموته على تقدير كونها في الزمان الاول، فانه لا يخرجه من استصحاب الفرد، وهذا ما اختاره في البحوث([4]).

وفيه أن مجهول التاريخ المماثل للحالة السابقة المعلومة قبل توارد الحالتين، حيث يكون مرددا بين كونه بقاء الفرد السابق، وبين كونه فردا جديدا، فيكون من قبيل استصحاب الكلي، لكنه من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلي.

2- ما اختاره السيد الخوئي “قده” من كونه من قبيل القسم الرابع من الكلي، لأن عنوان الحدث عند النوم الثاني محتمل الانطباق على الحدث الموجود بالنوم الاول، والذي هو متيقن الحدوث والارتفاع، فيكون كما علم بأنه اجنب ليلاً، ثم اغتسل منه، ثم رأى في النهار في ثوبه منيّا لايدري هل هو من الجنابة في الليل او أنه جنابة جديدة، حيث ان الصحيح أن استصحاب الجنابة المعلومة عند خروج هذا المني يعارض استصحاب بقاء الطهارة حين الغسل.

نعم لو لم يكن مجهول التاريخ مماثلا للحالة السابقة، فيكون استصحابه من قبيل القسم الثاني من الكلي، لدورانه بين أن يكون فردا حادثا قبل الوضوء، فيكون مرتفعا قطعا، وبين كونه فردا حادثا بعد الوضوء، فيكون باقيا قطعا([5]).

وفيه أن عنوان الحدث عند التوم الثاني ليس محتمل الانطباق بالدقة على الحدث عند النوم الاول، غايته أنه لو كان الحدث عند النوم الثاني في الساعة الثانية دون الثالثة كان بقاء للحدث عند النوم الاول.

نعم لو كان الحدث عند النوم المردد بين الساعتين مما يحتمل انطباقه على الحدث المعلوم بالتفصيل في الساعة الاولى بسبب النوم، كما لو علم بأنه نام نوما رأى فيه مناما، ولم يدر أنه هل هو ذاك النوم في الساعة الاولى وقد توضأ بعده جزما او هو نوم آخر بعد وضوءه فالحدث الناشء منه باقٍ فيكون استصحاب الحدث عند النوم الذي رأى فيه المنام من القسم الرابع من الكلي، لاحتمال انطباق هذا العنوان الاجمالي على الحدث عند النوم في الساعة الاولى.

وهكذا اذا علم اجمالا بأنه إما خرجت منه قطرة بول مقارنا لحدوث النوم في الساعة الاولى، ثم توضأ بعده فالآن هومتطهر، او خرجت منه تلك القطرة في الساعة الثالثة بعد ما توضأ في الساعة الثانية، فيكون من استصحاب القسم الرابع من الكلي، لاحتمال انطباق حدوث الحدث عند خروج قطرة البول على حدوث الحدث عند النوم في الساعة الاولى حيث انه لو خرجت قطرة البول عند حدوث النوم لاستند الحدث اليهما معا.

وهذا بخلاف ما لو علم بتأخر خروج قطرة البول عن ذلك النوم وتردده بين كونه في الساعة الثانية او الثالثة، فانه على تقدير كونه في الساعة الثانية فالحدث عنده لا يكون منطبقا على الحدث عند النوم بالدقة بل يكون بقاء له.

وعليه فالصحيح جريان استصحاب الحدث عند النوم الثاني ومعارضته مع استصحاب الطهارة، حتى لو انكرنا جريان الاستصحاب في القسم الرابع من الكلي، وان كنا نحن لا ننكره.

القول الخامس: ما ذكره السيد الامام “قده”

القول الخامس: ما ذكره السيد الامام “قده” في خصوص ما لو علم بالحالة السابقة على توارد الحالتين وكان مماثلها مجهول التاريخ، من أنه يجري استصحاب ضدها بلا معارض، مثل ما لو علم بأنه نام في الساعة الاولى، ثم علم بأنه إما نام في الساعة الثانية وتوضأ في الساعة الثالثة او توضأ في الساعة الثانية ونام في الساعة الثالثة، فان كان نومه الثاني في الساعة الثانية فلم يتحقق فرد جديد من الحدث، غير الفرد المعلوم الحدوث والارتفاع وهو الحدث المسبب عن النوم الاول، وان كان في الساعة الثانية فهو وان كان فردا آخر من الحدث حينئذ، لكنه انفصل عن الحدث الاول بالوضوء في الساعة الثانية، فلا يجري استصحاب كلي الحدث، حتى لو قبلنا القسم الثالث من الكلي.

والحاصل أن العرف يرى انحلال العلم الاجمالي بكلي الحدث عند النوم الثاني، بالعلم التفصيلي بالحدث المعلوم الوجود عند النوم الاول ومعلوم الارتفاع، والشك البدوي في فرد جديد من الحدث، فالمقام نظير ما لو رأى منيا في ثوبه لايدري أنه من الجنابة التي علم بها سابقا واغتسل منها او الجنابة الجديدة.

ودعوى العلم الاجمالي بسبب ثان للحدث وهو النوم الثاني، غير متجهة، فانه لو كان النوم الثاني عقيب النوم الاول فلا يكون سببا فعليا للحدث، فيكون العلم الاجمالي به كالعلم الاجمالي بأنه إما اكل شيئا قبل الوضوء او نام بعد الوضوء، حيث انه علم بالجامع بين ما له اثر وما ليس له اثر، وهو غير مجد.

نعم اذا كانت الحالة المماثلة للحالة السابقة على الحالتين معلومة التاريخ كما لو علم بكون النوم الثاني في الساعة الثالثة بينما أن زمان الطهارة كان مرددا بين الساعة الثانية والرابعة، فلا مانع من استصحابها في حد ذاتها فيتعارض مع استصحاب ضد الحالة السابقة.

ان قلت: ان الاشكال المذكور في مجهول التاريخ المماثل للحالة السابقة يأتي في معلوم التاريخ المماثل ايضا، فانه لو علم بكون النوم في الساعة الثالثة فهو وان كان يعلم بحدثٍ عنده، لكنه مردد بين أن يكون ذلك الحدث المعلوم في الساعة الاولى او فرد جديد من الحدث الوضوء، فهو يعلم تفصيلا بحدوث فرد من الحدث وارتفاعه قبل الوضوء، ويشك بدوا في حدوث فرد آخر من الحدث.

قلت: الفرق بين مجهول التاريخ ومعلومه، أن الحدث المعلوم منفصل بالوضوء جزما عن الفرد المحتمل من الحدث في مجهول التاريخ، دون معلومه، نعم ما يجري في معلوم التاريخ ليس هو استصحاب فرد الحدث بعد تردد الحدث عند النوم الثاني بين الفرد المقطوع الزوال، والفرد المشكوك الحدوث، وانما هو استصحاب للكلي([6]).

مناقشه

ويلاحظ عليه أن تشبيهه فرض كون الحالة المماثلة للحالة السابقة مجهولة التاريخ بما لو رأى في ثوبه منيّا لايدري أنه من الجنابة التي علم بها سابقا واغتسل منها او الجنابة الجديدة، يكشف عن أنه يرى استصحاب الحدث فيه من القسم الرابع من الكلي، والمفروض أنه لا يعترف بجريانه، حيث يرى أنه لابد من اجراء الاستصحاب في العنوان الموضوع للحكم الشرعي، وكون الحدث عند النوم الثاني ليس دخيلا في الحكم الشرعي فلابد من قصر النظر على ذات الحدث، من دون لحاظ تضيقه بالحدث عند النوم الثاني، وحينئذ لا تتم اركان الاستصحاب فيه، حتى لو قيل بجريان استصحاب القسم الثالث من الكلي، لأن جريانه مختص بما اذا كان لم يعلم بتخل العدم على الكلي، بل احتمل وجود فرد آخر مقارنا لوجود الفرد الاول او مقارنا لارتفاعه، والمقام من هذا القبيل، فانه ان كان النوم الثاني قيل الوضوء فلم يوجد فرد جديد من الحدث، وان كان بعد الوضوء فقد ارتفع كلي الحدث عند الوضوء، فلا يحتمل وجود فرد آخر من الحدث الا منفصلا عن الحدث السابق.

ولكن تبين مما ذكرناه في التعليق على القول الرابع أنه من قبيل استصحاب القسم الثاني لا الرابع، فيرتفع الاشكال.

وأما ما ذكره في الفرق بين معلوم التاريخ ومجهول التاريخ ففيه أن ما ذكره في مجهول التاريخ يأتي في معلوم التاريخ ايضا، حيث انه لو كان الحدث عند النوم الثاني المعلوم التاريخ قبل الوضوء فهو ليس فردا آخر من الحدث، ولو كان بعد الوضوء فقد انفصل عن زمان ارتفاع كلي الحدث بارتفاع الفرد الاول من الحدث، وهو النوم في الساعة الاولى بالوضوء في الساعة الثانية.

القول السادس:جریان الاستصحاب فی فرض العلم بتاريخ احدهما…

القول السادس: ما اختاره بعض الاعلام “قده” من أنه في فرض العلم بتاريخ احدهما فيجري الاستصحاب فيه بلا معارض، وفي فرض الجهل بتاريخ كليهما يؤخذ بضد الحالة السابقة عليهما، ان كانت معلومة والا فيتعارض الاستصحاب فيهما([7]).

وهذا القول شبيه بالقول السابق الا أنه يتميز عنه في الذهاب الى عدم جريان استصحاب مجهول التاريخ في قبال معلوم التاريخ، بينما أن القول السابق يرى معارضة الاستصحاب فيهما.

ومما ذكرناه تبين الاشكال على هذا القول ايضا، فتحصل من جميع ما ذكرنا أن الصحيح تعارض الاستصحاب في توارد الحالتين مطلقا، وبعد ذلك يكون المرجع في توارد حالة الطهارة والحدث في ما اشترط فيه الطهارة كالصلاة قاعدة الاشتغال، للعلم بوجوبه والشك في تحصيله، نعم تجري البراءة عن محرمات المحدث كحرمة مس كتابة القرآن، او حرمة الدخول في المسجد في توارد حالة الطهارة والجنابة.

ودعوى أن من المحتمل كون الحدث مانعا في الصلاة، ومع الشك في الحدث تجري البراءة عن المانعية، بل ولو كانت الطهارة شرطا فمن كان محدثا فهو مكلف بالصلاة مع الوضوء ومن كان متطهرا فهو مكلف بالصلاة فقط، ومع شك المكلف في كونه محدثا او متطهرا فتجري البراءة عن وجوب الوضوء غير متجهة.

أما احتمال كون الحدث مانعا ففيه اولا: أن كون الحدث مانعا خلاف ظاهر مثل قوله تعالى “اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم… وان كنتم جنبا فاطهروا…” في كون الطهارة شرطا.

وثانيا: انه لا اشكال في أنه لو كان محدثا فهو مانع وانما الشك في وجود المانع وثبوت المانعية لشيء في الواجب لا تتوقف على وجود ذلك الشيء، كما مر منّا في بحث الشك في مانعية النجاسة في ذيل صحيحة زرارة الثانية في الاستصحاب.

وأما ما قيل من أن المتوضئ مكلف بالصلاة فقط، لكون امره بالوضوء طلبا للحاصل، ففيه أنه لا يزيد الشرط عن الجزء، والامر باجزاء المركب الارتباطي ضمني ثبوتا وسقوطا، فلا يسقط الامر به بمجرد الاتيان به ما لم يفرغ من المركب، ومن الواضح أن نكتة لغوية جعل التكليف لما بعد الامتثال لا يأتي فيه، فانه خاص بالجعل الاستقلالي لا الضمني، فمجرد كون الشخص متوضأ لا يوجب عدم الامر به.

على أن ما هو مأمور به ضمنا في الشرط هو تقيد الصلاة به، وهو لا يحصل الا مقارنا للصلاة، خصوصا مع امكان نقضه بالحدث قبل الفراغ من الصلاة، فالمطلوب هو الوضوء المقارن للصلاة.

نعم لو اتى بالصلاة رجاء مع توارد حالة الطهارة والحدث، فبعد الصلاة فقد يقال: بأنه حيث لا مجال لجريان استصحاب عدم الصلاة مع الطهارة لأن متعلق التكليف اخذ مركبا من الصلاة وكون المكلف مع الطهارة، ووجود الصلاة معلوم، فلا مجال فيه للاستصحاب، وأما المشكوك وهو وجود الطهارة فهو مما تعارض استصحابه مع استصحاب بقاء الحدث، فتصل النوبة الى الاصل الحكمي وهو البراءة عن بقاء التكليف، فتكون واردة على قاعدة الاشتغال.

ولكن أجبنا عنه في محله اولا: بأنه يجري استصحاب بقاء التكليف بناء على كون الامتثال مسقطا للتكليف، وأما بناء على كونه مسقطا لفاعلية التكليف ومحركيته، كما هو مختار البحوث، فيعلم بثبوت التكليف، وأما محركيته فهي ثابتة بحكم العقل، حتى مع الشك في الامتثال، بنكتة قاعدة الاشتغال.

وما ذكره شيخنا الاستاذ “قده” وفاقا للسيد الخوئي “قده” من المنع من جريان استصحاب الحكم، ولو كان في الشبهة الموضوعية فقد مر الجواب عنه.

وثانيا: ان مآل الشك في الامتثال، و ان كان الى الشك في بقاء التكليف بالدقة العقلية، لكن العرف لا يراه مصداقا للشك في التكليف، بعد العلم بتوجه التكليف بحده الى المكلف، و تمحض الشك في امتثاله خارجا، و لا اقل من شبهة الانصراف.

وان شئت قلت: ان الشك في الامتثال حيث يكون موردا لقاعدة الاشتغال التي هي مضافا الى أنها قاعدة عقلية مترسخة في اذهان العقلاء بحدٍّ يرون أن المورد ليس من موارد الشك في التكليف، فيكون الشك فيه متمحضا عرفا في امتثال التكليف المعلوم، وان رجع ذلك بالدقة الى الشك في بقاء التكليف، وهذا المقدار كافٍ في انصراف مثل قوله “رفع ما لايعلمون” عنه.

ثم انه بما ذكرناه تبين الاشكال في التزام شيخنا الاستاذ “قده” بورود أصالة البراءة عن بقاء التكليف على قاعدة الاشتغال، ان وصلت النوبة الى أصالة البراءة.

هذا وكان يذكر “قده” أنه لا تجري البراءة عن بقاء التكليف في خصوص الصلاة، حيث استفيد من صحيحة زرارة والفضيل لزوم اعادتها في فرض الشك في داخل الوقت، فقد ورد فيها “متى استيقنت او شككت في وقت فريضة أنك لم تصلها او في وقت فوتها أنك لم تصلها صليتها([8])“.

و لكن يرد عليه أن مورد الصحيحة الشك في اصل وجود الاتيان بالصلاة، وهو مجرى لاستصحاب عدم الاتيان، ولا تشمل الشكّ في الصحة، فلا تبقى خصوصية للصلاة.

هذا ولو كان المورد مورد توارد حالة الطهارة والنجاسة فيكون المرجع قاعدة الطهارة، وفي مورد توارد حالة القلة والكرية لو لاقى الماء النجس، فقد اتضح مما سبق كون المرجع فيه قاعدة الطهارة في الماء، ولكن لا يترتب عليه احكام الكر، كما لو قلنا بكفاية غسل الجسد المتنجس بالبول بالماء الكر مرة واحدة، كالماء الجاري بخلاف الماء القليل حيث يجب غسله به مرتين، نعم بناء على القاعدة التي سبق نقلها عن المحقق النائيني “ره” لابد من الاجتناب عن ذاك الماء لما ذكر من أنه يحكم بنجاسته لأجل تلك القاعدة.

ثمرة النزاع بين القول بقصور المقتضي في استصحاب توارد الحالتين والقول بالمعارضة

ثم انه قد يقال بأن ثمرة النزاع بين القول بقصور المقتضي في استصحاب توارد الحالتين مع الجهل بتاريخهما والقول بالمعارضة بينهما تظهر في مثل ما لو علم اجمالا بنجاسة احد شيئين مع كون واحد معين منهما مبتلى بتوارد حالة الطهارة والنجاسة حيث يكون استصحاب الطهارة في الآخر خطابا مختصا حاكما على الخطاب المشترك الذي هو أصالة الطهارة، بينما أنه على المعارضة فالمعارضة مستقرة بين استصحاب الطهارة في ذاك الشيء الذي توارد فيه الحالتان، مع كل من استصحاب النجاسة فيه واستصحاب الطهارة في الشيء الآخر، وهذا ما قد يظهر من بعض كلمات السيد الصدر “قده”.

ولكن على مسلك السيد الخوئي “قده” (من عدم انعقاد ظهور خطاب الاستصحاب في شموله لمورد توارد الحالتين، لكون حكم العقل بعدم شموله له لأجل محذور المناقضة في المؤدى من الحكم البديهي العقلي، بينما أن حكم العقل بقبح الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الاجمالي من حكم العقل غير البديهي فيكون بمثابة القرينة المنفصلة الموجبة لسقوط الظهور عن الحجية من دون أن يكون هادما للظهور) ينعقد ظهور دليل الاستصحاب في استصحاب طهارة هذا الشيء غير المبتلى بتوارد الحالتين بلا أن يوجد له ظهور معارض([9]).

و قد يقال بأنه على مسلك السيد الصدر “قده” ايضا (من عدم انعقاد ظهور دليل الاصل لكل من توارد الحالتين واطراف العلم الاجمالي بالتكليف، لكون شمول دليل الاصل لكل من طرفي العلم ااجمالي يكون نقضا للغرض من التكليف الواقعي المعلوم بالاجمال، فيكون ارتكاز المناقضة العقلائية بمثابة قرينة لبية متصلة مانعة عن انعقاد الظهور) فمشكلة المعارضة وان كانت مشتركة في كل من استصحاب الطهارة والنجاسة في الشيء الذي توارد فيه الحالتان، وكذا في استصحاب الطهارة من كل من الشيئين المعلوم نجاسة احدهما اجمالا، لكن ارتكاز المناقضة العقلائية يختص بما اذا كان كل من الاصلين قابلا للوصول الى المكلف في حد ذاته مع قطع النظر عن ارتكاز المناقضة، وحيث ان استصحاب الطهارة في ما توارد فيه الحالتان غير قابل للوصول الى المكلف للمانع العقلي فلا يرى العقلاء محذورا في شمول خطاب الاستصحاب لاستصحاب الطهارة فيهما بعد كون احدهما المعين غير قابل للوصول.

الا أن الانصاف كفاية هذا المقدار من الابتلاء بالمشكلة في عدم احراز انعقاد الظهور العرفي لدليل الاستصحاب في استصحاب الطهارة في الشيء غير المبتلى بتوارد الحالتين.

فرع فقهي قد جمع فيه بين تعاقب الحادثين وتوارد الحالتين

لا بأس هنا بالاشارة الى فرع فقهي قد جمع فيه بين تعاقب الحادثين وتوارد الحالتين، وهو ما لو توضأ وضوءين وصلى بعد كل واحد منهما فريضة ثم علم اجمالا بوقوع حدث بعد احد الوضوئين وقبل الصلاة، فذكر السيد الخوئي “قده” أنه يجري استصحاب بقاء الطهارة الى زمان الصلاة الاولى من دون أن يعارضه استصحاب عدم الصلاة في زمان الطهارة، لما مر منه في القول الرابع في تعاقب الحادثين، من جريان الاستصحاب المثبت لوجود احد جزئي المركب الى زمان وجود الآخر، من دون أن يعارضه استصحاب عدم وجود الجزء الآخر في زمان وجود الجزء الاول ، كما لا يعارضه استصحاب بقاء الطهارة الثانية الى زمان الصلاة الثانية لكونه مبتلى بتوارد الحالتين، فلم ينعقد ظهور دليل الاستصحاب فيه، بينما أن السيد الصدر “قده” التزم حسب مبانيه التي اتضحت في الكلام حول الفرع السابق بعدم جريان استصحاب الطهارة في الصلاة الاولى ايضا([10]).

وكيف كان ففي الفرض الذي يكون المكلف شاكا في الحدث فعلاً، فلا اشكال في وجود معارض لولا استصحاب الطهارة في الصلاة الاولى، وهو البراءة عن محرمات المحدث.

التنبیه الثانی عشر: في استصحاب الصحة

اذا أتى بمشكوك المانعية كالزيادة المشكوك مانعيتها عن الصلاة، فقد يستصحب بقاء الصحة فاورد الشيخ الاعظم “قده” على هذا الاستصحاب بأن المستصحب إن كان صحّة مجموع الصلاة فلم يتحقّق بعدُ، و إن كان صحّة الأجزاء السابقة فهي غير مجدية، لأنّ صحّة تلك الأجزاء تعني أنه لو انضم اليها بقية الأجزاء مع الشرائط و عدم الموانع فتتحقق الصلاة التامة، و هذه الصحة مما يقطع ببقاءها.

ولكن الظاهر أن المانع يوجب عدم صلاحية الاجزاء السابقة للحوق الأجزاء اللاحقة عرفا على الأقل، ولذا يعبَّر عنه بأنه ابطل عمله، ويجب استئناف العمل بكامله، فالصحيح أن يقال ان اثبات الصحة الفعلية و سقوط الامر بالمركب باستصحاب صحة الاجزاء السابقة بمعنى عدم طروّ النقص عليها باتيان مشكوك المانعية يكون من الاصل المثبت، حيث انه لازم عقلي له.

أما الاستصحاب التعليقي للصحة الفعلية، فيرد عليه أن القضية التعليقية المنتزعة عقلاً، ان كانت هي أنه لو انضمت الاجزاء اللاحقة الى الاجزاء السابقة من دون تخلل الاتيان بمشكوك المانعية تحقق امتثال الامر بالمركب و سقط الامر، فهي معلومة الحدوث و البقاء، و ان كانت القضية التعليقية أنه لو انضمت الاجزاء اللاحقة الى الاجزاء السابقة مع تخلل الاتيان بمشكوك المانعية وتحقق الامتثال فهي مشكوكة الحدوث، فلا مجال لاستصحابها، على أنه من الاستصحاب التعليقي في الموضوع التكويني، اي تحقق الامتثال، وهو من اردء أنحاء الاستصحاب التعليقي، مثل أن نستصحب أنه لو ألقي الثوب في هذا الحوض سابقا لتحقق غسله بالماء لوجود الماء فيه قطعا.

هذا وقد ذكر الشيخ الاعظم “قده” أنه في مورد الشك في قاطعية شيء كقاطعية الضحك الخالي عن الصوت، فلا مانع من جريان استصحاب الهيئة الاتصالية، فان اعتبار قاطعية شيء للصلاة مثلا يعني وجود هيئة اتصالية لها ويكون هذا القاطع قاطعا لتلك الهيئة الاتصالية، ولكن ذكرنا في بحث قاعدة الاشتغال أن ما ورد في الروايات من التعبير بأن القهقهة مثلا تنقض الصلاة وتقطعها بيان عرفي لكون الواجب مشروطا بعدمها، فبايجادها ينتفي الاثر المطلوب، و لا يستفاد منه اعتبار الهيئة الاتصالية، فيختلف القاطع الشرعي عن القاطع العرفي بأن كان الصدق العرفي لعنوان المركب كالصلاة متقوما بعدمه، كالفعل الكثير الماحي لصورة الصلاة، من دون أن يقيد الشارع الواجب بعدمه.

نعم القاطع العرفي كالفعل الماحي لصورة الصلاة يعني انثلام عنوان المركب كعنوان الصلاة به فاذا شك في قاطعية شيء عرفا قد يقال بأنه حينئذ يجري استصحاب بقاء عنوان المركب، لكنه انما يفيد لوكان اثبات بقاء العنوان هو المطلوب، وأما اذا كان المطلوب هو اثبات اتصاف ما يأتي به من الاجزاء اللاحقة بهذا العنوان فلا يثبت به، فان استصحاب بقاء شيء بنحو مفاد كان التامة لا يثبت اتصاف الموجود به بنحو مفاد كان الناقصة، فلو شك في كون الفصل بين اشواط الطواف بمقدار عشر دقائق مثلا هل يمنع من صدق الطواف سبعة اشواط ام لا، فاستصحاب بقاء الطواف لا يثبت انه طاف سبعة اشواط.

نعم قد يقال بانه في هذا الفرض حيث يكون الشك في الصدق ناشئا عن الشبهة المفهومية([11]) فتجري البراءة عن القيد الزائد، بل يتعين اجراءها دون الاستصحاب، حتى مع غمض العين عن الاشكال السابق، لعدم جريان الاستصحاب في الشبهة المفهومية، ولو شك في الخارج فلم يعلم مقدار الفصل، فهنا يجري استصحاب عدم تحقق عنوان الطواف سبعة اشواط وكذا قاعدة الاشتغال، دون استصحاب بقاء الموالاة لكونه اصلا مثبتا بالنسبة الى اثبات تحقق عنوان الطواف سبعة اشواط.

التنبيه الثالث عشر: في التمسك بعموم العام او استصحاب حكم المخصص

إذا خرج عن العام فرد في زمان ثم شك بعد مضي ذلك الزمان في بقاء حكم الخاص او ثبوت حكم العام، فيقع الكلام في أنه هل يجب الرجوع الى عموم العام او يجري استصحاب حكم الخاص، كا لو قال المولى “أكرم كل عالم” ثم دل الدليل على حرمة اكرام زيد العالم يوم الجمعة، وشك في يوم السبت في بقاء حرمة اكرامه او كون اكرامه واجبا.

ولا يخفى أن محل النزاع هو ما دل الدليل الخاص على خروج فرد من افراد العام في زمان، ثم شك في حكمه بعد مضي ذلك الزمان، فلا يجري النزاع فيما لو كان مفاد دليل الخاص خروج عنوان كلي عن عموم العام، ثم زال ذلك العنوان عن فرد من افراد العام، كما لو ورد “اكرم كل عالم” ثم ورد “لا تكرم العالم الفاسق” وكان زيد العالم فاسقا ابتداء، ثم تاب وصار عادلا، فانه لا اشكال في الرجوع الى عموم العام، حيث يدور حكم الخاص مدار صدق العنوان، فاذا كان الفرد منطبقا عليه عنوان الخاص يحكم عليه بحكم الخاص، ولو ارتفع عنه عنوان الخاص ثبت له حكم العام، ولذا قد يقال في ما لو استغنى المكلف عن المؤونة بأنه حيث ورد تعلق الخمس بكل فائدة، ثم خرج عنه عنوان المؤونة، فيتسمك لاثبات الخمس في ما استغنى عنه بعموم العام.

ومن الغريب ما حكي عن السيد الخوئي “قده” من أنه استدل على عدم تعلق الخمس به بأنه اذا كان الزمان ملحوظا ظرفا في الخطاب العام لا قيدا، فكان الثابت على كل فرد من العام حكما واحدا مستمرا، لااحكاما عديدة انحلالية كما هو الحال في دليل خمس كل فائدة، فلامجال حينئذ للتمسك بالعام، اذ لا دليل على دخول الفرد بعد خروجه عن العام، بل مقتضى الاصل البرائة عنه([12]).

فان ما ذكره -مضافا الى كونه مخالفا لمبناه الاصولي من مرجعية العام مطلقا ولو كان الزمان ظرفا له([13]) – يرد عليه أنه حتى لو منع من مرجعية العام الذي يكون الزمان ظرفا له، بعد مضى الزمان المتيقن من تخصيص فرد منه، مع ذلك ليس المقام من هذا القبيل، اذ المفروض في المقام كما مر آنفا ان المخصص عنوان كلي ينطبق على افراده، وهو عنوان المؤونة، فيدور الحكم مدار صدق العنوان، فاذا كان الفرد منطبقا عليه عنوان الخاص يحكم عليه بحكم الخاص، ولو ارتفع عنه عنوان الخاص فلاينبغي الشك في مرجعية العام، وبذلك اتضح ايضا الاشكال في عدّ البحوث الخروج عن المؤونة من أمثلة المقام.

وسيأتي بعض الكلام حول مسألة الخروج عن المؤونة في نهاية البحث.

تفصیل الشیخ الاعظم ره

وكيف كان فقد فصّل الشيخ الاعظم “ره” في المقام بين صورتين:

الصورة الاولى: ما لو كان الزمان قيدا لحكم العام

الصورة الاولى: ما لو كان الزمان قيدا لحكم العام بأن كان كل زمان من الازمنة فرد من افراد العام كما لو قال المولى اكرام كل عالم في كل يوم واجب” فيكون المرجع هو العام، لأن المتيقن من تخصيص عمومه الافرادي هو اكرام زيد يوم الجمعة مثلا، فيتمسك بالنسبة الى الفرد الآخر من العام وهو اكرام زيد يوم السبت الى عمومه الأفرادي.

الصورة الثانية: ما لو كان الزمان ظرفا لحكم العام

الصورة الثانية: ما لو كان الزمان ظرفا لحكم العام، كما لو قال المولى “أكرم العلماء دائما” فان عمومه الأفرادي يكون مقتضيا لشموله للفرد كزيد العالم، فاذا خرج هذا الفرد في زمان كيوم الجمعة عن العموم الأفرادي للعام، فلا يبقى عموم افرادي بالنسبة الى يوم السبت، وأما العموم الأحوالي للعام بالنسبة اليه فهو فرع شمول عمومه الأفرادي له، ومع سقوط عمومه الأفرادي بالنسبة اليه لا يبقى ما يتمسك به لاثبات شمول العام له بعد مضي الزمان المتيقن من تخصيص هذا الفرد، وحينئذ فيجري استصحاب حكم الخاص([14]).

وقد ينسب اليه القول بأنه ان كان الزمان قيدا للعام فلابد أن يكون كذلك في الخاص، وان كان ظرفا فكذلك، ولكن لا وجه لذلك، ولم يتضح لي تمامية هذه النسبة، فانه اذا قال المولى “اكرام العالم في كل يوم واجب” وقال “اكرام زيد ليس بواجب يوم الجمعة” كان ذلك من قيدية الزمان للعام وظرفيته للخاص، كما أنه لو قال “اكرام العالم واجب” وقال “اكرام زيد يوم الجمعة ليس بواجب” او أنه حرام، فيكون من ظرفية الزمان للعام وقيديته للخاص.

تقسیم صاحب الکفایه

وقد ذكر صاحب الكفاية أن ما ذكره الشيخ “ره” من انقسام العام الى قسمين بلحاظ كون الزمان قيدا او ظرفا له، يأتي في الخاص ايضا، فتكون الاقسام اربعة:

القسم الاول: أن يكون الزمان قيدا في كليهما، فيكون المرجع العام، ولايجري استصحاب حكم الخاص، لا لأجل حكومة العام عليه، بل لعدم المقتضي لجريانه، لأن كون الزمان قيدا في حكم الخاص يعني كون اختلاف الزمان موجبا لتغاير الموضوع فيه.

القسم الثاني: أن يكون الزمان ظرفا في كليهما فيكون المرجع هو استصحاب حكم الخاص.

القسم الثالث: أن يكون الزمان قيدا في العام وظرفا في الخاص فالمرجع عموم العام، ومع فقده يجري استصحاب حكم الخاص.

القسم الرابع: أن يكون الزمان ظرفا في العام وقيدا في الخاص، فلاتجري اصالة العموم، لما مر من ان هذا الفرد قد خرج عن العام بالتخصيص، ولايختلف في ذلك طول زمان خروجه او قصره، كما لايجري استصحاب حكم الخاص، لما مر من عدم المقتضي لجريانه، فلابد من الرجوع الى سائر الاصول العملية.

هذا وقد فصّل في ما لو كان الزمان ظرفا للعام بين ما لو كان الخاص مخصصا للعام من الأول فيمكن التمسك بالعام بعد مضي زمان المتيقن من التخصيص، فيكون أول زمان استمرار حكمه بعد زمان دلالته، فيصح التمسك بعموم “أوفوا بالعقود” بالنسبة الى البيع بعد مضي زمان خيار المجلس، بخلاف ما لو قلنا بكون مبدأ خيار الغبن هو زمان العلم بالغبن، وشك في كونه على نحو الفور او التراخي([15]).

وهناك قولان آخران في المقام:

احدهما: القول بمرجعية العام مطلقا، وهو الذي اختاره جمع من الاعلام في المقام.

وثانيهما: القول بسقوط العام عن الحجية مطلقا، وهذا ما اختاره بعض الاجلاء “دام ظله”.

تفسير مراد الشیخ ره من قيدية الزمان للعام وظرفيته

ولنقدِّم البحث عن تفصيل الشيخ الاعظم “قده”، فنقول: وقع الخلاف في تفسير مراده من قيدية الزمان للعام وظرفيته بين عدة احتمالات:

الاحتمال الاول:

ما استظهره المحقق النائيني “قده” من عبارة الرسائل من كون مراد الشيخ الاعظم “قده” من قيدية الزمان لعموم العام هو كون حكم العام استغراقيا بالنسبة كل زمان، ومن ظرفية الزمان هو كون حكم العام في كل فرد حكما شخصيا مستمرا كعام مجموعي، كما في وجوب الامساك في كل آن من آنات النهار([16])، وان ذكر بعد ذلك أن ظاهر عبارة المكاسب شيء آخر، سيأتي بيانه.

وقد ذكر السيد الخوئي “قده” أن هذا المعنى هو صريح كلام الشيخ الاعظم “ره”، فمعنى كون الزمان ظرفا كون الحكم الثابت واحدا شخصيا مستمرا، كوجوب الإمساك من طلوع الفجر إلى المغرب، فانه لا يكون وجوب الإمساك تكليفاً متعدداً بتعدد آنات هذا اليوم، ومعنى كون الزمان قيدا هو كون الحكم انحلاليا بلحاظ الازمنة، (كحرمة وطء الحائض، حيث أن حرمة وطء الحائض في كل زمان غير حرمة وطءها في الزمان الآخر، ولذا يفرض لها اطاعة وعصيان مستقل)، وأما وجوب الوفاء بالعقد، والذي ادعى الشيخ كون الزمان ظرفا له، فهو ارشاد الى لزوم العقد الذي هو حكم واحد مستمر([17]).

هذا وقد انكر السيد اليزدي “قده” كون ذلك مراد الشيخ الاعظم، وقال المحقق الايرواني “ره” وهل يرضى اللبيب أن ينسب الى الشيخ التفصيل بين العام الاستغراقي والمجموعي.

ومنشأ هذا التفسير ما ذكره الشيخ الاعظم في الرسائل في تفسير قيدية الزمان للعموم من أنه يؤخذ كل زمان موضوعا مستقلا لحكم مستقل، لينحلّ العموم إلى أحكام متعددة بتعدد الأزمان([18])، كما ذكر في المكاسب في تفسير ظرفية الزمان أنه يكون الحكم فيه حكماً واحداً مستمرّاً لموضوعٍ واحد، فيكون مرجع الشكّ فيه إلى الشكّ في استمرار حكمٍ واحدٍ وانقطاعه فيستصحب([19]).

هذا وقد يقال في مقام استبعاد كون المراد هذا التفسير، أنه بناء عليه لا يختص الاشكال بالتمسك بعموم الخطاب، بعد مضي الزمان المتيقن من تخصيص فرد، بل يعم الاشكال التمسك بخطاب العام المجموعي في الفرد الذي اخرج في قطعة من الزمان فيما قبل تلك القطعة ايضا.

وكذا التمسك به بالنسبة الى سائر افراده، كما لو قال المولى بنحو الواجب الارتباطي “يجب اطعام هؤلاء كل يوم” ثم قام دليل على عدم وجوب اطعام واحد منهم في يوم معين، فيعم الاشكال ما اذا اريد التمسك به لاثبات وجوب اكرام البقية في ذلك اليوم فكان المناسب ذكر ذلك في بحث العامّ و الخاصّ، من دون أن توجد نكتة في عمود الزمان حتّى يكون البحث مناسباً للمقام.

وكيف كان فبناء على هذا التفسير يكون الجواب أنه لاينبغي الاشكال في لزوم الرجوع الي عموم العام بعد مضي زمان العلم بالتخصيص في فردٍ، فان المتيقن كون الخاص موجبا لرفع اليد عن العموم الاحوالي لخطاب العام بالنسبة الى هذا الفرد بالنسبة الزمان الاول، دون عمومه الافرادي بالنسبة اليه، فيتمسك لاثبات حكم العام له في غير ذلك الزمان بالعموم الافرادي للعام، وظهور الخطاب العام في شمول هذا الفرد في الزمان الثاني ظهور تضمني مستقل في عرض ظهوره في شمول هذا الفرد في الزمان الاول، والعلم بخروج هذا الفرد في الزمان الاول لايكون مانعا عقلاءا عن الرجوع الي العام في الزمان الثاني.

وما يقال من أن ظاهر العام المجموعي هو ثبوت الوجوب الضمني لاكرام زيد في غير يوم الجمعة، مع أنه بعد تخصيص وجوب اكرامه يوم الجمعة هو تبدل وجوب اكرامه في غير ذلك اليوم من الوجوب الضمني الى الاستقلالي، مع أنه لم يكن مفاد خطاب العام، ففيه أنه لو تم هذا الاشكال لمنع من التمسك بالعام لوجوب اكرام زيد قبل يوم الجمعة ايضا، وهكذا في العام المجموعي بالنسبة الى افراده العرضية، كما لو قال المولى “يجب اطعام هؤلاء كل يوم” ثم قام دليل على عدم وجوب اطعام واحد منهم في يوم معين، حيث يصير وجوب اكرام البقية في ذلك اليوم استقلاليا بالنسبة الى اكرام ذلك الشخص الخارج، مع أن هذا التوهم باطل، فان الاستقلالية والضمنية يستفادان من ظهور الخطاب العام، وحيث يجمع العرف بين الخاص والعام، فيكون الخاص قرينة على رفع اليد عن ظهور العام في ضمنية وجوب البقية بالنسبة الى هذا الفرد الخارج.

وهذا نظير ما لو امر المولى عبيده بالسلام على جماعة، كواجب ارتباطي، ثم قال له أحد عبيده بأن في السلام على زيد حرجا عليّ، فهل اترك السلام عليه، فقال له المولى “لا اثم عليك في ذلك” فلا يراه العقلاء معذورا في ترك السلام على البقية.

ان قلت: هذا ينافي ما مر في بحث البراءة، من أنه لو كان الاتيان بجزء المركب حرجيا او ضرريا او مكرها على تركه فتكون نتيجته سقوط التكليف بالمركب التام، ولا يثبت التكليف بالمركب الفاقد لذلك الجزء، مادام لم يقم دليل ثانوي على ذلك مثل ما ورد من أن الصلاة لا تسقط بحال.

فانه بناء عليه يقال في المقام بأن ما دل على تخصيص هذا الفرد من المركب الارتباطي في حال خاص او زمان خاص لم يرد بعنوان نفي جزئيته حتى يكون المتفاهم منه عرفا الامر بالمركب الفاقد له، وانما ورد بعنوان نفي التكليف الفعلي باتيانه وهذا يجتمع مع جزئيته المطلقة المستلزمة لسقوط الامر بالمركب في هذا الحال.

نعم هذا الاشكال لا يتوجه على مثال الرجوع الى عموم “اوفوا بالعقود” بعد مضي زمان الفورية في خيار الغبن، فان وحدة الحكم بلزوم العقد تعني كونه حكما واحدا مستمرا لا كونه متعلقا بمركب ارتباطي كما هو واضح.

قلت: فرق بين المقامين، فان المفروض في المقام ورود دليل خاص على عدم التكليف بجزء من المركب، واين هذا من عمومات لا حرج، ولا ضرر، و رفع ما استكرهوا عليه، وما اضطروا اليه، ونحو ذلك، مما يكون مصداقه بالنظر العرفي نفس التكليف الاستقلالي بالمركب التام، ومع رفعه لا دليل على ثبوت الامر بالمركب الناقص.

الاحتمال الثاني:

ما يقرب الى الذهن من مجموع عبائر الشيخ الاعظم في الرسائل والمكاسب، من أن مراده من قيدية الزمان للعام ليس هو كون الحكم منحلا الى احكام متعددة بالنسبة الى كل آن من الآنات بحيث يثبت لكل آن حكم مستقل، ويكون مراده من ظرفية الزمان هو ثبوت حكم واحد مستمر لكل فرد، بل مراده من كون الزمان قيدا او ظرفا هو ملاحظة مدلول الخطاب، فقد ينصبّ الحكم في الخطاب على كل آن من الآنات، فكل آن يكون فرد من افراد العام، كما لو قال المولى “اكرام كل عالم في كل يوم واجب” وقد ينصبّ على نفس الأفراد كقوله “أكرم العلماء دائما” وحينئذ يكون العموم الاحوالي فرع ثبوت العموم الافرادي للعام بالنسبة الى كل فرد.

فقد ذكر في بحث الاستصحاب أنه تارة يؤخذ عموم الأزمان أفراديا بأن يؤخذ كل زمان موضوعا مستقلا لحكم مستقل، لينحلّ العموم إلى أحكام متعددة بتعدد الأزمان، كقوله “أكرم العلماء كل يوم” فقام الإجماع على حرمة إكرام زيد العالم يوم الجمعة، وأخرى يؤخذ الزمان لبيان الاستمرار كقوله أكرم العلماء دائما، ثم خرج فرد في زمان وشك في حكم ذلك الفرد بعد ذلك الزمان فالظاهر جريان الاستصحاب، إذ لايلزم من ثبوت ذلك الحكم للفرد بعد ذلك الزمان تخصيص زائد على التخصيص المعلوم لأن مورد التخصيص الأفراد دون الأزمنة بخلاف القسم الأول، بل لو لم‌يكن هنا استصحاب لم‌يرجع إلى العموم، بل إلى الأصول الأخر، ولافرق بين استفادة الاستمرار من اللفظ كالمثال المتقدم أو من الإطلاق كقوله “تواضع للناس” بناء على استفادة الاستمرار منه فإنه إذا خرج منه التواضع في بعض الأزمنة على وجه لايفهم من التخصيص ملاحظة المتكلم كل زمان فردا مستقلا لمتعلق الحكم استصحب حكمه بعد الخروج([20]).

فان الظاهر من مثال الامر بالتواضع لكون الزمان ظرفا للعام مع كون الظاهر منه انحلالية الحكم هو ما ذكرناه.

كما ذكر في المكاسب أن مناط الفرق بين القسمين ليس كون عموم الزمان في الاول عموماً لغويا، وفي الثاني اطلاقا مستفادا من مقدمات الحكمة، بل المناط كون الزمان في الاول مكثّرا لأفراد موضوع الحكم، وفي الثاني ظرفاً للحكم، وإن فُرض عمومه لغوياً، فيكون الحكم فيه حكماً واحداً مستمرّاً لموضوعٍ واحد، فيكون مرجع الشكّ فيه إلى الشكّ في استمرار حكمٍ واحدٍ وانقطاعه فيستصحب، ولايرجع فيه الى العموم، لأنه إذا فرض خروج فرد منه فلايفرق فيه بين خروجه عن حكم العام دائما أو في زمانٍ ما؛ إذ ليس في خروجه دائماً زيادة تخصيصٍ في العام حتى يقتصر عند الشك فيه على المتيقن، نظير ما إذا ورد تحريم فعلٍ بعنوان العموم وخرج منه فرد خاص من ذلك الفعل، لكن وقع الشك في أنّ ارتفاع الحرمة عن ذلك الفرد مختصّ ببعض الأزمنة ام لا([21]).

فان المثال لظرفية الزمان بما اذا ورد تحريم فعل بعنوان العموم، مع كون النواهي ظاهرة في الانحلال شاهد على ما ذكرناه.

وحيث يظهر من كلامه المذكور آنفا في الرسائل وحدة المراد من قيدية الزمان وظرفيته في بحث الرجوع الى العام، وبحث جريان الاستصحاب فلابأس أن نستمد مما ذكره في الاستصحاب، حيث قال: إنهم لا يرتابون في أنه إذا ثبت تحريم فعل‏ في‏ زمان‏ ثم شك في بقائه بعده فإن الشك في هذه المسألة في استمرار الحرمة لهذا الفعل و ارتفاعها و إن كان مقتضى المداقة العقلية كون الزمان قيدا للفعل و كذلك الإباحة و الكراهة و الاستحباب.

نعم قد يتحقق في بعض الواجبات مورد لا يحكم العرف بكون الشك في الاستمرار مثلا إذا ثبت في يوم وجوب فعل عند الزوال ثم شككنا في الغد أنه واجب اليوم عند الزوال فلا يحكمون باستصحاب ذلك و لا يبنون على كونه مما شك في استمراره و ارتفاعه، بل يحكمون في الغد بأصالة عدم الوجوب قبل الزوال، أما لو ثبت ذلك مرارا ثم شك فيه بعد أيام، فالظاهر حكمهم بأن هذا الحكم كان مستمرا، و شك في ارتفاعه، فيستصحب.

و من هنا ترى الأصحاب يتمسكون باستصحاب وجوب التمام عند الشك في حدوث التكليف بالقصر و باستصحاب وجوب العبادة عند شك المرأة في حدوث الحيض لا من جهة أصالة عدم السفر الموجب للقصر و عدم الحيض المقتضي لوجوب العبادة حتى يحكم بوجوب التمام لأنه من آثار عدم السفر الشرعي الموجب للقصر و بوجوب العبادة لأنه من آثار عدم الحيض بل من جهة كون التكليف بالإتمام و بالعبادة عند زوال كل يوم أمرا مستمرا عندهم و إن كان التكليف يتجدد يوما فيوما فهو في كل يوم مسبوق بالعدم فينبغي أن يرجع إلى استصحاب عدمه لا إلى استصحاب وجوده([22]).

فترى أنه مثَّل لظرفية الزمان باستمرار الحرمة، او وجوب التمام، مع أنه لا اشكال في انحلاليتهما.

ومما يشهد على ما ذكرناه كلام المحقق الخراساني “ره” في حاشية الرسائل من أنّه لا ينافي استمرار حكمه على وحدته تعدّد إطاعته‏ و معصيته، بل هو قضيّة استمراره([23]).

وبناء على هذا التفسير يكون الجواب عن تفصيل الشيخ ما مر من أن الخاص حجة اقوى على رفع اليد عن ظهور العموم الاحوالي لخطاب العام بالنسبة الى هذا الفرد الخارج بالنسبة الزمان المتيقن، ولا يوجد حجة على رفع اليد عن عمومه الافرادي بالنسبة اليه، فيتمسك به لاثبات حكم العام له في غير ذلك الزمان.

فما ذكره الشيخ من قيام الدليل على سقوط عمومه الافرادي فيه، ويكون سقوط العموم الاحوالي من ياب السالبة بانتفاء الموضوع، غير تام، لعدم موجب للقول بسقوط عمومه الافرادي فيه، وانما الساقط عمومه الاحوالي بلحاظ زمان العلم بعدم شمول حكم العام له، ولا يخفى أن لازم التفصيل بناء على هذا الاحتمال ايضا عدم جواز التمسك بالعام بلحاظ ما قبل زمان العلم بالتخصيص.

ثم ان الظاهر رجوع ما ذكره المحقق الأصفهاني “قده” الى هذا التفسير حيث قال: ليس المراد من القيدية والظرفية تعدد الحكم او وحدته ثبوتا، فان وجوب الوفاء بالعقد متكثر ثبوتا بتكثر الزمان، بل المراد أنه تارة تلحظ قطعات الزمان معدِّدة للموضوع، لم يكن خروج فرد من افراد العام موجباً لانثلام ظهوره في شموله لسائر الافراد، و لكن إن لوحظ الزمان بوحدته ظرفاً لتعلق طبيعي الحكم بطبيعي الموضوع، بمعنى أن طبيعي الوفاء بهذا العقد فرد من العام، و طبيعي الوفاء بالعقد الآخر فرد آخر منه، و هكذا، فإذا خرج فرد من هذا العام في الجملة، فلا شك في انثلام ظهوره في شموله لهذا الفرد، فان الوفاء به في زمانٍ آخر ليس من جملة افراده، بل فرده طبيعي الوفاء بهذا العقد، و قد فرض عدم شموله له بما هو فرد له.

بل يلزم من شموله -بعد خروجه في زمان- تعدد الواحد، و استمرار المنقطع، كما عن صاحب الكفاية في حاشية الرسائل، و لذا بنى هنا و هناك على صحة الاستدلال بالعامّ إذا كان التخصيص من الابتداء، أو في الانتهاء دون الأثناء([24]).

اقول: ان لحاظ طبيعي الوفاء بالعقد موضوعا للوجوب لا ينافي لحاظه مقيدا بغير يوم الجمعة فتنحفظ وحدته اللحاظية المعتبرة في الجعل، وأما تعدد المجعول لتخلل العدم في الوسط فليس بقادح ابدا.

ولو تم اشكاله فيمنع من التمسك بالعام بالنسبة الى هذا الفرد ولو بلحاظ زمان ما قبل التخصيص ان احتمل عدم ارادته رأسا.

الاحتمال الثالث:

ما ذكره المحقق النائيني “قده” من أنه لا يبعد أن يكون مراد الشيخ في الرسائل ما هو ظاهر المكاسب من أنه قد يكون الزمان قيدا للمتعلق فيكون الزمان قيدا، كما لو قال المولى “أكرم العلماء دائما” بمعنى أن الاكرام الابدي والمستمر للعلماء واجب” او قال “اكرام العلماء كل يوم واجب” و “الامساك في كل آن من آنات النهار واجب”، فهنا يمكن الرجوع الى العام بعد مضي الزمان المتيقن من تخصيص فرد.

وقد يكون الاستمرار قيدا لنفس الحكم كما لو قال “اكرام العلماء واجب في كل يوم” و “اكرام العلماء واجب، وهذا الوجوب ابدي ومستمر”، فلا يمكن الرجوع الى العام بعد مضي الزمان المتيقن من تخصيص الفرد.

ثم ذكر في تقريب عدم امكان الرجوع الى العام في هذا الفرض، بعد مضي المقدار المتيقن من زمان تخصيص الفرد، أنه يستحيل اطلاق الجعل الاول بالنسبة الى استمرار الحكم وعدمه، لكونه من الانقسامات الثانوية للحكم، وحيث يستحيل تقييد الجعل بالنسبة الى انقساماته الثانوية، كذلك بستحيل اطلاقها، لكون التقابل بين الاطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة، فكلما استحال التقييد استحال الاطلاق، وعليه فيكون الجعل مهملا بالنسبة الى استمرار الحكم وعدمه، و يحتاج الى متمم الجعل المنتج لنتيجة الاطلاق، كقوله “حلال محمد حلال الى يوم القيامة” و قد تثبت نتيجة الاطلاق بنكتة اللغوية، كما في “اوفوا بالعقود” فان لزوم العقد في آنٍ ما لغو، وكذا في المحرمات، فان حرمة الفعل في آنٍ ما لغو، وحيث ان موضوع متمم الجعل هو ثبوت الحكم والجعل الاول مهمل، فلا يمكن التمسك بمتمم الجعل عند الشك في الحكم بعد مضي زمان التخصيص لكونه شبهة مصداقية له.

هذا من حيث الكبرى، وأما من حيث الصغرى وتشخيص أن الزمان قيد للمتعلق او ظرف للحكم، فقد ذكر أنه حيث لا يوجد منعلق للحكم الوضعي، وانما يوجد له موضوع، والموضوع لا يتعدد بتعدد الآنات، فلا محالة يكون العموم الزماني قيدا للحكم، كقوله “العقد لازم” فان العقد لا يتعدد بتعدد الآنات، فلا معنى لكون العموم الزماني قيدا له، فلا محالة يكون قيدا للحكم، فلا يمكن التمسك بالعام بعد مضي زمان التخصيص.

وأما في الاحكام التكليفية كقوله “لا تشرب الخمر” حيث لا ريب في عمومه الزماني، لا من جهة اطلاق شرب الخمر لجميع افراده، فانه لا يقتضي الاجتناب عن طبيعة شرب الخمر الى الأبد، بل يمكن أن يكون الى ساعة مثلا، بل بنكتة لغوية النهي عن شرب الخمر آنا ما عرفا، فالاجتناب عنه الى الأبد إما أن يكون لأجل استمرار الحرمة الى الأبد، او لأجل جعل العموم الزماني قيدا لشرب الخمر، بأن يقول المولى “شرب الخمر في جميع الآنات حرام” والثاني خلاف أصالة الاطلاق في المتعلق، وعليه فاذا شككنا في أن العموم الزماني قيد لمتعلق الحكم، كشرب الخمر، او قيد لنفس الحكم، فيمكن التمسك باطلاق المتعلق لنفي كون العموم الزماني قيدا له، ولكن الحكم لمكان اهماله من جهة تقيده بالعموم الزماني وعدمه كما تقدم لا تجري فيه أصالة الاطلاق لنفي تقيده بالعموم الزماني، فتصير النتيجة كون العموم الزماني قيدا للحكم، فلا يمكن الرجوع الى العام.

وهكذا لو وجب اكرام العلماء، فانه لا يقتضي اكرامهم في كل آن، اذ يكفي في ايجاد متعلق الوجوب ايجاد فرد منه، فكون العموم الزماني اي اكرامهم في كل آنٍ متعلقا للوجوب خلاف اطلاق المتعلق([25]).

ويورد عليه عدة ايرادات:

الايراد الاول:

ان المراد من استمرار الحكم هو واقع الاستمرار، لا مفهومه الاسمي، وهذا قابل للجعل في الجعل الاول، لأن جعل الحكم في الآن الثاني يكون في عرض جعله في الآن الاول، فالحكم بعرضه العريض الوسيع قابل لتعلق جعل واحد به، وحينئذ يمكن التمسك باطلاق الجعل الاول لاثباته بعد مضي المقدار المتيقن من التخصيص.

وأما مفهوم الاستمرار فلا يؤخذ عادة قيدا للمتعلق او الحكم، ولكن لو اريد أخذه قيدا في الحكم فلا مانع منه، اذ مفهوم الاستمرار ليس من الانقسامات الثانوية لوجود الحكم، بل من انقسامات مفهوم الحكم، فهو في طول مفهوم الحكم، لا وجوده، كما أن الامر في انقطاع الحكم كذلك، فيمكن للمولى جعل الوجوب المستمر او المنقطع، فيكون نظير انشاء الزوجية الدائمة او المنقطعة، وعليه فلا مانع من اطلاق الجعل الاول او تقييده بالنسبة اليهما.

الا أنه لو أخذ مفهوم الاستمرار والاتصال قيدا من دون أن يكون مشيرا الى واقع الاستمرار فحتى لو اخذ قيدا في المتعلق، كقوله “الاكرام المستمر للعالم واجب”، وخرج منه فرد في الاثناء، فلا يمكن التمسك باطلاقه لاثبات وجوب اكرامه بعد ذلك، لأنه لا يتحقق عنوان الفعل المستمر، فلا يتم ما ذكره من امكان الرجوع فيه الى العام.

والمهم أن هذا النحو من التقييد بأخذ مفهوم الاستمرار قيدا في المتعلق او الحكم لم يوجد في الخطابات الشرعية.

الايراد الثاني:

ان موضوع متمم الجعل لابد أن يكون هو ثبوت الجعل في هذا الفرد في الجملة كثبوت اللزوم في بيع الغبن في الجملة، وهذا المقدار مما يتكفله الخطاب الاول، فانه لا يعقل أن يكون موضوعه ثبوت الجعل في زمان الشك، فانه يكون لغوا محضا، نعم لو كان مفاد متمم الجعل هو الاستمرار بمعناه الاسمي، فلا يجري في التخصيص في الوسط.

نعم قد يستشكل بناءً على عدم الاطلاق اللفظي في الخطاب الاول والحاجة الى متمم الجعل، فيقال: حيث لا يوجد اطلاق لفظي في متمم الجعل، فيحتمل كون المجعول في متمم الجعل هو استمرار الحكم الثابت في زمانٍ بالمعنى الاسمي للاستمرار، فلا يمكن التمسك به مع تخلل التخصيص في الوسط، او أن دليل متمم الجعل هو محذور اللغوية، وهذا لا يتوجه على مثل عدم عود لزوم بيع الغين بعد تبين الغبن وانقضاء زمان الفورية، او يقال: ان من المحتمل كون موضوع متمم الجعل ثبوت الحكم في الزمان السابق المتصل بالزمان المشكوك ثبوت الحكم فيه، والمراد من الزمان المشكوك هو زمان ما بعد الزمان المتيقن من تخصيص الفرد.

وأما في تعليقة البحوث من أنه ليس المقصود كون موضوع متمم الجعل هو ثبوت القضية المهملة بمعنى ثبوت الحكم في زمانٍ ما، بل المقصود أنَّ الدال الثاني ليس دالًا مستقلًا و انما هو من لوازم ثبوت الحكم في موردٍ أو زمانٍ معين واقعا، فمع التخصيص في زمانٍ، و عدم الدليل على ثبوت أصل الحكم في الزمان الذي بعده لا يمكن الرجوع إلى الخطاب لإثبات استمرار الحكم فيه، فبضم ذلك الى عدم اطلاق المحمول يتم مدعى المحقق النائيني “قده”([26]).

ففيه -مع غمض العين عن أن صريح كلام المحقق النائيني، هو كون موضوع متمم الجعل هو الجعل المهمل الاول لا ثبوت الحكم في زمانٍ معين واقعا، والمفروض كشف الخطاب عنه، فلا ينبغي عدّ ذلك دفاعا عنه- أنه لو كان موضوع متمم الجعل ثبوت الحكم في زمانٍ معين واقعا، فلو فرض انتفاء الحكم في فرد في ذلك الزمان المعين واقعا، فهذا خلاف أصالة العموم الأفرادي في الجعل الاول بالنسبة الى ذلك الفرد، فمجرد خروج هذا الفرد عن العام في زمان لا يوجب رفع اليد عن عمومه بالنسية اليه في الجملة.

على ان لازمه التفصيل بين التخصيص من الاول والوسط بقبول متمم الجعل في الثاني ان احرز ثبوت الحكم قبل التخصيص، الا ان يقال بأنه حينئذ لا يقتضي متمم الجعل لعود الحكم الثابت في الزمان الاول بعد ارتفاعه في الاثناء، ولو لم يكن بلسان الاستمرار بمفهومه الاسمي.

وأما ما في كتاب الاضواء من الجواب عما ذكره في تعليقة البحوث بأن قرينة اللغوية وحدها لا يكفي‏ لاثبات الاستمرار إلّا بضم مقدمات الحكمة، فبقرينة اللغوية نفهم انّ جعل الحكم باللزوم أو الحرمة يكون فيه استمرار في الجملة، ثمّ بإطلاق الجعل نثبت انّه مستمر في تمام آنات وجود العقد، و هذا الإطلاق حاله حال سائر الاطلاقات من حيث انّ ثبوت التقييد له في زمان لا يقتضي سقوطه عن الحجّية في غيره لأنّ الدلالة فيه مستقلة، فلا فرق بين هذا الإطلاق و غيره([27]).

فليس حاسما لاشكال التعليقة المبني على كون الخطاب الاول لا يتكفل استمرار الحكم، وانما يثبت ذلك بدليل آخر موضوعه ثبوت الجعل الاول.

الايراد الثالث:

الصحيح أنه يكفي في استمرار الحكم الوضعي كلزوم العقد، لحاظ ذات العقد في الموضوع، ولحاظ ذات اللزوم في المحمول واستفادة استمرار ثبوته له من اطلاق الحمل، بلا حاجة الى لحاظ العموم الأزماني، ولا فرق في ذلك بين المسلك الصحيح من كون التقابل بين الاطلاق والتقييد الثبوتيين تقابل السلب والايجاب او مسلك المحقق النائيني من كونه تقابل العدم والملكة، او مسلك السيد الخوئي من كونه تقابل التضاد، فانه لا يعني الا كون الاطلاق لحاظ عدم اخذ القيد الزائد، وهو غير تقوم الاطلاق بلحاظ امر وجودي، كالعموم الزماني في المقام.

فلا يتم دعوى أن استمرار لزوم العقد ناشٍ إما من لحاظ العقد في كل آنٍ، والحكم عليه باللزوم، او لحاظ ذات العقد، والحكم عليه باللزوم المستمر، في قبال لحاظ ذات العقد، والحكم عليه باللزوم الى سنة مثلا، نعم لا اشكال في كون استمرار اللزوم في قوله “العقد لازم” مثلا بحاجة الى عدم لحاظ العقد مقيدا بزمان خاص، والا فلو لاحظ العقد مقيَّدا بزمان خاص وحكم عليه باللزوم اختص اللزوم بذلك الزمان، ولكنه امر آخر غير لزوم لحاظ العموم الزماني، فانه مما لا حاجة اليه، وان كان لحاظ العموم الزماني للزوم مؤكدا لاستمراريته.

ومثله الحكم التكليفي التحريمي كقوله “شرب الخمر حرام” فانه يكفي لحاظ ذات شرب الخمر، وذات الحرمة، وحينئذ يكون اطلاق حمل الحرمة عليه مقتضيا لدوام ثبوتها له، وعدم ارتفاع الحرمة بمجرد ترك شرب الخمر الى زمان معين، من دون حاجة الى لحاظ العموم الزماني قيدا، وأما كون حرمة شرب الخمر على نحو النهي عن صرف الوجود فيكون امتثاله بترك جميع الافراد وعصيانه بفعل واحد منها او مطلق الوجود بحيث يتعدد امتثاله وعصيانه، فهو بحث آخر، حيث توجد قرينة عامة في باب النواهي تقتضي انحلالية النهي لغلبة انحلالية المفاسد.

أما الحكم التكليفي الوجوبي كقوله “اكرام كل عالم واجب” فاستمرار الوجوب لا يقتضي تكرر الاكرام ما لم يلحظ الاستمرار والتكرر في الاكرام نفسه، وهذا امر زائد على اطلاق الاكرام، حيث يتحقق طبيعي الاكرام بتحقق صرف وجوده، وما ذكرناه لا يتنافى مع عدم استمرار الوجوب المتعلق بصرف وجود الطبيعة لما بعد الاتيان به، حيث يسقط بمجرد حصوله، فانه يعني عدم امكان جعل الوجوب المستمر لطبيعي الاكرام، بل لابد من لحاظ استمرار الاكرام في مرتبة متعلق هذا الوجوب، بل بناء على مسلك البحوث من عدم كون الامتثال مسقطا للتكليف، وانما يكون مسقطا لفاعليته ومحركيته، فاستمرار الوجوب لا ينافي كون متعلقه صرف وجود الاكرام، فلا يتجه ما ذكره المحقق النائيني من امكان كون العموم الزماني قيدا للحكم دون المتعلق.

الايراد الرابع:

ان دليل اللغوية يكون بمثابة قرينة متصلة موجبة لتحقق العموم الازماني في نفس الخطاب الاول ، وحيث يتردد بين كونه قيدا للمتعلق او لنفس الحكم، فيبتلى المتعلق بالاجمال ايضا ولا ينعقد للمتعلق اطلاق لنفي تقيده بالعموم الزماني.

هذا ومن جهة أخرى ان ما ذكره من كون استمرار الحكم في لزوم الوفاء بالعقد استفيد من دليل اللغوية، ففيه أنه استفيد من كلمة الوفاء الذي هو بمعنى انهاء العقد، فعدم فسخ العقد او ترتيب الاثر العملي عليه ساعة لا يعدّ وفاء به، ولذا نقول ان خطاب “الوفاء بالعقد واجب” يقتضي الاستمرار من ناحية ذات الوفاء بلا حاجة الى لحاظ زائد يقتضي استمرار الوفاء او الوجوب.

الايراد الخامس:

ما في البحوث من أنَّ إطلاق الحكم و استمراره يستحيل أن ينفكّ عن إطلاق متعلقه، لأنه إذا ثبت الاستمرار و عموم الحكم و لو بدالّ آخر ثبت انَّ المولى كان في مقام البيان من ناحيته، و لا يعقل عرفاً كون المولى في مقام البيان من ناحية الحكم، مع كونه في مقام الاهمال من ناحية المتعلق، فانَّ المتحصل من الحكم و متعلقه شي‏ء واحد، فإذا فرض كونه في مقام البيان ثبت الإطلاق في المتعلق، و الذي يصح التمسك به فيما بعد التخصيص بحسب الفرض.

نعم لو بني على أنَّ الإطلاق في المتعلق كالتقييد في المقام فيه مؤونة زائدة، و ان كانت أخف بالنسبة الى التقييد، فيمكن أن يبقى المتعلق مهملاً في المقام للاستغناء عنه بعموم الحكم، إلّا انَّ هذا المبنى غير صحيح، لأنَّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة عند المحقق النائيني قده” و تقابل السلب و الإيجاب عندنا، فإذا لم يكن تقييد في المتعلق -لعدم إمكانه مع عموم الحكم- تعين الإطلاق في المتعلق لا محالة([28]).

و يرد عليه -مع غمض العين عن اختصاص جوابه بالاحكام التكليفية دون الوضعية كقوله “العقد لازم” لعدم متعلق لها- اولا: ان مقصود المحقق النائيني هو أنه تارة يقيَّد الفعل كشرب الخمر بالعموم الازماني فيقال شرب الخمر في كل آن من الآنات، واخرى لا يقيد بذلك، فيقال “شرب الخمر” فاذا قيل “شرب الخمر حرام” ولم يكن الحرمة مطلقة تشمل الآنات المستقبلة فلا يمكن اثبات حرمة شربها المستقبل حتى ولو لم يلحظ في متعلقها الا ذات شرب الخمر، لا شرب الخمر في الآن الاول، وهذا مطلب صحيح.

وثانيا: ان الاطلاق في المتعلق اذا كان ناشئا من اطلاق الحكم فهو اطلاق تبعي، فاذا سقط اطلاق الحكم بما دل على تخصيص الفرد سقط هو بتبعه.

هذا وقد يدافع عن المحقق النائيني “قده” بما في تعليقة البحوث من أنه كما لا يثبت بإطلاق المحمول، الا ثبوت صرف وجوده للموضوع، دون جميع حصصه، فلا يفهم من قولنا “العالم نافع” أنه نافع ماديا ومعنويا معا، وهكذا لا يفهم من قولنا “زيد عالم” كونه فقهيا واديبا ومفسرا وهكذا” كذلك لا يثبت به استمراره، فيكون استفادة ذلك في طرف الحكم بحاجة دائماً إلى دالّ آخر، و لو كان هو قرينة عدم اللغوية، و الذي يكون بحسب الحقيقة من لوازم المدلول الأول، و هو ثبوت الحكم بنحو صرف الوجود، و ليست دلالة إطلاقية لتندرج تحت كبرى حجية العام في الباقي بعد التخصيص، فإذا ثبت التخصيص و انتفاء المدلول الأول في موردٍ، فلا يمكن إثبات استمرار الحكم بعد ذلك بالخطاب، من دون فرق بين كون الاستمرار ملحوظاً بنحو المعنى الاسمي أو الحرفي، لأنَّ الميزان في حجية العموم و الإطلاق كونها دلالة مستقلة عرضية لا طولية، نعم اطلاق المتعلق قد يقتضي الاستمرار كما في الخطاب التحريمي([29]).

وفيه اولا: أن عدم دلالة القضية على ثبوت جميع حصص المحمول للموضوع، وان كان تاما، لكنه لا يرتبط بكون مقتضى اطلاق القضية الحملية اتحاد المحمول والموضوع، وهذا يقتضي ثبوته للموضوع الى أي زمان كان الموضوع ثابتا.

وثانيا: ان موضوع متمم الجعل من دليل اللغوية وغيرها، وهو ثبوت الجعل الاول المهمل مفروغ عنه، والتخصيص لا ينفيه، مضافا الى المنع من كون نتيجة دليل اللغوية مدلولا التزاميا، بل هو موجب لانعقاد ظهور الخطاب الاول في الاستمرار، ولو بضمّ أن ثبوته آنا ما لغو، و بقاءه الى فترة لا محدِّد له عرفا، فينعقد له الاطلاق.

ان قلت: نعم ولكن لو قبلنا عدم اطلاق المحمول بلحاظ ثبوته في جميع الأزمنة، فلا دليل على ثبوت الحكم بعد مضي الزمان المتيقن من تخصيص الفرد كالزمان الاول، فلعل الحكم لا يحدث الا بعد مضي برهة.

قلت: يرد عليه النقض بما اذا لم يعلم تخصيص الفرد في اي زمان من الأزمنة، فلا يلتزم فيه احد باحتمال حدوث الحكم في وقت متاخر عن حدوث الفرد، وهذا يكشف عن فساد هذا الاحتمال.

الاحتمال الرابع:

ما في البحوث من أنه قد يقال ان الاطلاق كالعموم جمع للقيود، وعليه فيلحظ زمان الحكم قيدا في الاطلاق ايضا كما يلحظ قيدا في العموم ، وحينئذ فتارة يلحظ طبيعي الزمان بما أنه امر واحد مستمر قيدا، وأخرى يلحظ آنات الزمان وقطعاته قيدا، فعلى الاول يكون الزمان ظرفا للخطاب، ولا يمكن الرجوع اليه عند تخصيص فرد منه في الوسط، لا بالنسبة الى الزمان الذي قبله ولا الى الزمان بعده، حيث يتنافي مع كون الزمان الملحوظ واحدا مستمرا.

وعلى الثاني يكون الزمان قيدا للعام، فيمكن الرجوع الى العام بعد مضي الزمان المتيقن من التخصيص.

وقد أجاب عنه في البحوث بأن المطلق يكون بنحو رفض القيود بخلاف العام، فاذا استثنيت قطعة من الوسط سرى الحكم إلى القطعة السابقة و اللاحقة عليها، فانه ان لوحظت القيود و جمعت كما في العام، صار الزمان مفرِّداً، و سرى الحكم إلى القطعتين بالعموم، و ان رفضت القيود في عالم اللحاظ، سرى الحكم أيضاً إلى القطعتين بالإطلاق، فلا وجه لهذا التفصيل.

اقول: ما ذكره حول الاطلاق من أنه رفض للقيود وان كان صحيحا، لكن ما ذكره في العموم من أنه جمع للقيود بمعنى أنه أخذ في خطاب “اكرم كل عالم” قصر العالم او طوله في موضوع الحكم. ليس صحيحا، نعم لو كان المقصود لحاظ الاستعياب الزماني صح دعوى لحاظ كثرات الزمان في موضوع الحكم.

الاحتمال الخامس:

ما قد يقال من أن المراد من ظرفية الزمان أنه قد يكون الخطاب ظاهرا في حكم مستمر كقوله “أكرم العلماء دائما” يعني يجب اكرامهم بوجوب مستمر -اي في لحاظ المولى والا فقد يكون الحكم استغراقيا- فلو عاد وجوب اكرام زيد يوم السبت كان الوجوب منقطعا، بينما أنه اذا كان الزمان قيدا فلا يظهر من الخطاب استمرارية الحكم.

وحينئذ فان كان مفاد الخطاب ثبوت حكم مستمر من اول زمان وجود افراد العام، فتكون نتيجته مختار الشيخ الاعظم من أنه لو خصص فرد من افراده في الزمان الاول ايضا لا يصح التمسك بالعام بالنسبة اليه بعد ذلك.

و ان كان مفاد الخطاب اصل استمرارية الحكم قتكون نتيجته تفصيل صاحب الكفاية في حاشية الرسائل والمحقق الحائري على ما حكي عن مجلس درسه([30]) بين كون التخصيص من الاول وبين كونه في الاثناء، فان الاول لا ينافي استمرار الحكم، وانما يوجب تأخيره، وان كان ذلك خلاف اطلاق الخطاب العام، ولا يصار اليه الا بعد ورود الدليل على عدم تحقق الحكم في الآن الاول.

وفيه -مع غمض العين عن أنه لا يحتمل كون مقصود الشيخ الاعظم وصاحب الكفاية “قدهما” ذلك، حيث طبّقا ظرفية الزمان على عموم “اوفوا بالعقود” بالنسبة الى البيع بعد مضي خيار المجلس او خيار الغبن- أن هذا انما يتوجه لو اخذ عنوان الاستمرار او الوحدة في الخطاب، وهذا مما لا يوجد له مورد في الفقه، فان المفاد العرفي للخطابات واقع الاستمرار والوحدة.

بل لا يبعد أن يقال انه حتى لو أخذ عنوان الاستمرار في الخطاب فيراه العرف مشيرا الى واقع الاستمرار، فيرفع اليد عنه بمقتضى الجمع العرفي بينه وبين ما دل على تخصيص فرد في زمان، بالنسبة الى ذاك الزمان فقط لا قبله ولا بعده.

وقد يقال: انه لو أخذ عنوان اليوم أو الشهر أو نحو ذلك في موضوع الحكم، كما لو قال “اكرم كل عالم يوم الجمعة” وخرج عنه فرد في ساعة من النهار، كما لو قام الاجماع على عدم وجوب اكرام زيد العالم عند زوال يوم الجمعة، فلا بمكن التمسك لاثبات وجوب اكرامه حتى بلحاظ زمان ما قبل التخصيص أيضاً، حيث لا يكون مجموع زمان اكرامه مقدار يوم([31]).

وفيه أنه يكفي في الجمع العرفي صدق انه اكرمه يوما الا مقدار ساعة، فان اليوم ليس نصا في اليوم الكامل، بحيث يأبى عن الجمع العرفي وهكذا الشهر بالنسبة الى استثناء يوم ونحوه.

ما نقل عن البعض من عكس تفصيل صاحب الكفاية

هذا وقد نُقل عن البعض عكس تفصيل صاحب الكفاية، فقال: انه يتمسك بالعام عند ورود التخصبص عليه في فرد في الوسط، مع العلم بدخوله في عموم العام قبله، للقطع بشمول العموم الأفرادي له، وانما يشك في التخصيص الزائد لعمومه الاحوالي والأزماني، فيتمسك لنفيه بأصالة العموم، وأما اذا كان ورود المخصص عليه في فردٍ في اول الزمان، (او في الوسط مع احتمال عدم ثبوت حكم العام له من الاول) فيقع التعارض بين أصالة العموم الأفرادي لنفي احتمال التخصيص الأفرادي و بين أصالة العموم الاحوالي لنفي احتمال التخصيص الأزماني، فلابد من الرجوع الى استصحاب حكم الخاص.

وقد أجاب عنه السيد الامام “قده” بأنه لا مجال لجريان أصالة العموم الاحوالي، حتى يعارض العموم الأفرادي، اذ اولا: مورد جريان أصالة العموم، ما إذا شك في المراد، ومع العلم بعدم ارادة العموم الأحوالي إما لارتفاع موضوعه وهو العموم الأفرادي في هذا الفرد، او لارتفاع نفسه، فلا مجال لجريانها، نظير ما اذا علم بعدم وجوب اكرام زيد، وشك في كونه جاهلا، فيكون خارجا عن عموم “اكرم كل عالم” تخصصا، او كونه عالما، فيكون خارجا عنه تخصيصا، فقد حقق في محله أنه لا تجري اصالة العموم لاثبات احكام الجاهل في حقه.

وثانيا: ان أصالة العموم انما تجري في مورد يترتب عليها أثر عملي لا مطلقا، وهنا يعلم بخروج الفرد في اليوم الأول، و اجراءها لإثبات لازم عدم التخصيص الازماني مع العلم بعدم ثبوت حكم العام في حق هذا الفرد في اول الزمان وهو تخصيص العموم الأفرادي بالنسبة الى هذا الفرد باطل، لأن إثبات اللازم فرع إثبات الملزوم الممتنع في المقام.

وثالثا: انه يلزم من إثبات عدم العموم الأفرادي انتفاء العموم الازماني، لأن موضوع العموم الازماني هو العموم الافرادي، فيلزم من جريان أصالة عدم التخصيص الازماني عدم جريانها، وهو محال.

ورابعا: انّا نعلم تفصيلا بعدم العموم الازماني إما لانتفاء موضوعه وهو العموم الافرادي او لانتفاء نفسه([32]).

ولا يرد عليه أن جوابه لا يتم فيما إذا كان المخصص الذي يدور امره بين التخصيص الافرادي والأزماني متصلاً بالعام، إذ يكون موجبا للاجمال ومانعاً عن انعقاد العموم الأفرادي، فلا تتم فيه قاعدة عدم جريان اصالة العموم مع العلم بالمراد، والشك في التخصيص والتخصص([33]).

فان الظاهر أن فرض المخصص المتصل خارج عن محط البحث، فان من الواضح أنه لو كان المراد الاستعمالي منه مجملا منع من انعقاد ظهور الخطاب في شموله لهذا الفرد، وان كان المراد الاستعمالي منه مبيَّنا، ودل على عدم ثبوت الحكم فيه في اول الزمان، فينعقد ظهور العام في شموله له بعد مضي ذلك الزمان.

نعم ما ذكره حول عدم معارضة أصالة عدم تخصيص العموم الازماني مع أصالة عدم تخصيص العموم الأفرادي من كون موضوع العموم الأزماني هو العموم الافرادي ونفي العموم الافرادي بها مما يلزم من وجوده العدم، غير متجه، فان موضوع الدلالة على العموم الازماني لوجوب اكرام زيد مثلا في جميع الازمنة هو دلالة خطاب “اكرام كل عالم واجب دائما” على العموم الافرادي بالنسبة الى زيد، وهذه الدلالة ثابتة بالوجدان، وليس موضوعها ثبوت الارادة الجدية بالنسبة الى وجوب اكرام زيد في الجملة، فلا يلزم اي محال من جريان أصالة عدم تخصيص العموم الأزماني لاثبات أن عدم وجوب اكرام زيد في اول الزمان لم يكن من باب تخصيص العموم الأزماني وانما كان من باب تخصيص العموم الافرادي اي من باب عدم الاردة الجدية لوجوب اكرامه مطلقا.

كما أن ما ذكره من أن العموم الازماني حيث كان معلوم العدم للعلم التفصيلي بانتفاء وجوب اكرام زيد في الزمان الاول فاثباته ممتنع، ومع امتناع اثبات هذا الملزوم كيف يثبت لازمه، وهو انتفاء العموم الافرادي، غير متجه، فان الملزوم هو عدم تخصيص العموم الازماني، وهذا يجتمع مع انتفاء هذا العموم من باب التخصص، لانتفاء موضوعه، وليس هو شمول وجوب اكرام زيد في اول زمان، حتى يقال بامتناع اثباته بعد العلم بعدمه، نعم لو تم ما ذكره بعد ذلك من كون موضوعه ثبوت وجوب اكرام زيد في الجملة اتجه الاشكال، لكنه ذكره كاشكال آخر.

نعم اصل مدعاه من عدم المعارضة بينهما تام، فان اجراء اصالة عدم تخصيص العموم الازماني لخطاب “اكرام كل عالم واجب دائما” -بعد فرض العلم التفصيلي بعدم وجوب اكرام زيد في اول الزمان- ليست نتيجته الا نفي التمسك بعموم هذا الخطاب لاثبات وجوب اكرامه بعد ذلك، حيث يراد من اجراءها اثبات عدم الارادة الجدية لوجوب اكرامه مطلقا، وهذا مما لايتطابق مع بناء العقلاء في العمل بالظهورات، حيث يقتصر في الشك في مقدار تخلف الارادة الجدية فيها بين خروج الفرد عن العام مطلقا او خروجه في اول الزمان مثلا على المقدار المتيقن، حيث يدور الامر فيه بين الاقل والاكثر.

هذا وقد اورد بعض السادة الاعلام “دام ظله” على كلامه بأن ما ذكره في الجواب عن معارضة أصالة العموم الأفرادي مع أصالة العموم الازماني لاثبات التخصيص الأفرادي في المقام (بأن الاصول اللفظية لا تجري عند العلم بالمراد، والشك في كيفية الارادة مع العلم المراد) غير تام، فانه هنا يكون الشك في المراد، حيث ان مقتضى أصالة العموم الأفرادي اثبات وجوب اكرام زيد في غير الزمان الاول الاول، ومقتضى أصالة العموم الازماني نفيه وهذا الوجوب مشكوك([34]).

وفيه أن المراد من العلم بالمراد انما هو بلحاظ ما يجري الاصل فيه اولا وبالذات، والا فلا اشكال في أنه دائما يراد من اجراء الاصل كشف حكم مشكوك، كما في مثال يجب اكرام العالم ويحرم اكرام الجاهل” مع العلم بعدم وجوب اكرام زيد المشكوك كونه عالما او جاهلا، حيث يراد من اجراء أصالة عدم التخصيص اثبات الحكم المشكوك في حق زيد وهو حرمة اكرامه، فالمهم في المقام أنه مع العلم بانتفاء وجوب الاكرام في حق زيد في اول الزمان والشك في وجوبه بعد ذلك لا يراد من اجراء أصالة عدم تخصيص العموم الازماني لخطاب “اكرام كل عالم وجاب دائما” اثبات وجوب اكرامه في اي زمان من الازمنة وانما يراد منه اثبات التخصص اي كون انتفاءه لاجل انتفاء العموم الافرادي، والغرض منه نفي وجوب اكرامه في بقية الازمنة.

هذا وقد حكي عنه أنه اجاب عن اشكال المعارضة بعدة اجوبة:

1- ان مقتضى العموم الازماني استيعاب وجوب اكرام زيد لجميع الازمنة بعد ثبوت اصل وجوب اكرامه في الجملة، دون ما اذا لم يثبت ذلك، فمع عدم ثبوت اصل وجوب اكرامه فلا موضوع للعموم الازماني، ومع ثبوته بأصالة العموم الأفرادي لا يعقل معارضة أصالة العموم الأزماني معها([35]).

وقد تبين اشكاله مما ذكرناه آنفا.

2- ما حكي عنه كجواب ثان عن المعارضة، ببيانين مختلفين، فذكر في تقرير بحثه في الدورة الثانية أن بناء العقلاء على اجراء أصالة العموم يختص بما اذا كان لغرض اثبات الحكم لا نفيه، وفي الدورة الثالثة أن بناء العقلاء على اجراء اصالة العموم يكون من باب اصالة التطابق بين الارادة الاستعمالية والجدية في موارد الشك في الارادة الجدية.

اقول: أما بيان الدورة الثانية فلعل المقصود منه ما ذكرنا في المتن من عدم بناء العقلاء على اصالة عدم تخصيص الازماني اذا كانت نتيجته نفي العموم الافرادي اي نفي الحكم المشكوك في بقية الازمنة.

وأما بيان الدورة الثالثة فمرجعه الى ما ذكره السيد الامام من عدم جريان الاصل اللفظي مع العلم بالمراد، فلماذا انكر عليه قبل ذلك.

3- ما ذكره ايضا من أن الاطلاق لا يصلح لمعارضة العموم كما لا ينعقد مقدمات الحكمة لاجل تشكل الاطلاق مع وجود العموم.

وفيه -مضافا الى كونه اخص من المدعى اذ قد يكون الدال على الاستيعاب الزماني عموما لغويا كقوله “اكرم كل عالم دائما” بل قد يكون الدال على الاستيعاب الافرادي هو الاطلاق والدال على الاستيعاب الزماني عموما لغويا كقوله “اكرم العالم دائما” فيلزم عكس ما ذكره- أن الصحيح في ما لو كان التعارض بين العام والمطلق من التعارض المتصل، بل كان من التعارض المنفصل استقرار المعارضة بينهما خصوصا اذا لم يكن من التعارض بالذات كما في تعارض “اكرم كل عالم” و “لا تكرم الفاسق” بل كان من التعارض بالعرض الناشء من العلم الاجمالي بورود مخصص على العموم او مقيد على الاطلاق، كما لو قال المولى “كل عقد لازم” وعلمنا اجمالا بخروج فرد معبن من العقد مطلقا او خروج فرد آخر عنه في بعض الازمنة، فانه لا وجه لترجيح أصالة العموم الافرادي في الاول على الاطلاق الاحوالي في الثاني.

هذا وقد أجاب عن تفصيل صاحب الكفاية (بعد ما ذكر في تقريب كلامه أنه لو كان الزمان ظرفا كما في خطاب لزوم العقد، مع ورود مخصص عليه في الوسط كما في خيار الغبن، او قوله “اكرم كل عالم في يوم السبت” مع ورود “لا يجب اكرام زيد عند زوال يوم السبت” فلايمكن الرجوع بعده الى العام، لان تكثر الحكم تابع لتكثر موضوعه ويستحيل كون الموضوع واحدا والحكم متعددا) بأنه في المثال الاول وان كان تخلل الجواز موجبا لتعدد الحكم باللزوم، لكن لا نسلم امتناع تعدد الحكم مع وحدة الموضوع، وأما في المثال الثاني فالمتعلق متكثرـ وهذا لا يوجب تكثر الحكم، كما في وجوب المركب الارتباطي كالحج.

اقول: ما ذكره في الجواب عن المثال الثاني لا يجري في العام والمطلق الشمولي، مع أن كلام صاحب الكفاية جار فيه ايضا، فالمهم ما ذكره اولاً، وحاصله أن المهم الوحدة الاثباتية ولا ينافيها التكثر الثبوتي في مقام تطبيق الجعل على الموضوع الخارجي كما مر بيانه في الجواب عن كلام المحقق الاصفهاني “قده” في ذيل الاحتمال الثاني.

الصحيح لزوم الرجوع الى العام والمطلق في الزمان الزائد، دون استصحاب حكم الخاص

هذا تمام الكلام في الاحتمالات المذكورة في التفصيل بين كون الزمان قيدا للعام او ظرفا له وتحصل من جميع ما ذكرناه أن الصحيح لزوم الرجوع الى العام والمطلق في الزمان الزائد على المقدار المتيقن من تخصيص الفرد، دون استصحاب حكم الخاص لتقدم الأمارة على الاستصحاب.

وما حكي عن بعض الاجلاء “دام ظله” من أن العرف بعد خروج فرد من العام في زمانٍ يحتمل أن يكون عدم ذكر المخصص المتصل لاخراجه كان لأجل التغليب وغمض العين عن هذا الفرد، فلا يحرز تمسك العرف بالعموم بالنسبة اليه بعد مضي الزمان المتيقن من التخصيص (حتى لو كان الزمان قيدا للعموم) فمما لايرى له وجه، اذ العقلاء يحتجون بظهور كلام المولى، فيما لم يقم حجة اقوى على خلافه، من غير حاجة الى حصول الوثوق النوعي، خصوصا مع مبناه من كون أصالة العموم والاطلاق من الاصول العملية العقلائية لا الأمارات العقلائية.

وعليه فيكون المرجع بعد مضي الزمان المتيقن من تخصيص فرد هو عموم العام واطلاق المطلق، نعم لوسقطت الأمارة عن الحجية لاجمالها او لابتلاءها بالمعارض فلا مانع من اجراء استصحاب حكم الخاص بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، من غير فرق بين كون الزمان ظرفا للحكم او قيدا لمتعلقه، لأن المهم معروض الحكم عرفا وهو ذات الفعل وان كان الموضوع في لسان الدليل هو الفعل المقيد بالزمان، كما مر من استصحاب وجوب غسل الجمعة لما بعد زوال يوم الجمعة وان احتمل كون ما قبل الزوال قيدا للواجب.

کلام السيد الخوئي “قده”: استثناءان عن مرجعية عموم العام

استثنى السيد الخوئي “قده” عن مرجعية عموم العام موردين:

احدهما: ما اذا افيد استمرار الحكم بمفهوم اسمي كأن يقال “يجب اكرام كل عالم بوجوب واحد مستمر” فانه لو دل الدليل على ارتفاع وجوب الاكرام عن زيد مثلا في الاثناء، فلايمكن التمسك بالعام لاثبات وجوب اكرامه بعد مضي زمان العلم بالتخصيص، لأنه خارج عن نطاق مدلول الخطاب العام من ثبوت حكم واحد مستمر، فانه لو عاد وجوب اكرام زيد صار وجوبين لما حصل بينهما من انقطاع.

ثانيهما: ما اذا كان المدلول المطابقي للخطاب العام هو حدوث الحكم بحدوث الفرد، وأما بقاءه بعد حدوثه فيكون مستفادا من الدلالة الالتزامية العرفية او من الاجماع، فبعد قيام الدليل على عدم حدوث الحكم بحدوث الفرد، فلايوجد بعدئذ دليل على ثبوت الحكم في الزمان الثاني.

اقول: أما الاستثناء الاول فقد مر الكلام فيه في بيان الاحتمال الخامس لكلام الشيخ الاعظم، وقد ذكرنا أن وجود حكم مأخوذ فيه عنوان الاستمرار مجرد فرض لا واقع له مضافا الى أنه لو كان فلا يظهر منه اكثر من المشيرية الى واقع الاستمرار، فيجمع العرف بينه وبين ما دل على تخصيص فرد في زمان، فيرفع اليد عنه بالنسبة الى ذاك الزمان فقط لا قبله ولا بعده.

التمثیل و المناقشه

وأما الاستثناء الثاني فلا نقاش فيه كبرويا، ويمكن التمثيل له بموردين:

المورد الاول: انه دل دليل على تنجس الملاقي للنجس من قبيل موثقة عمار “يغسل كل ما اصابه ذلك الماء”، وحيث ان دليل التنجس بلسان الامر بالغسل فخرجنا عن عمومه في جسد الحيوان لقيام الدليل على عدم وجوب غسل جسده عند ملاقاة النجس، فان ذبح الحيوان وقد بقي عليه عين النجاسة وقد جفت، فلا يصح لرجوع الى عموم موثقة عمار، لأن ظاهره حدوث النجاسة بحدوث الملاقاة وبقاءها ما لم يغسل ثبت بالدلالة الالتزامية التي موضوعها حدوث النجاسة.

المورد الثاني: ما اذا خرجت المؤونة عن كونها مؤونة، فاختلف الفقهاء في لزوم تخميسها وعدمه، فالمشهور عدم لزومه وقد التزم جمع من الفقهاء بلزوم تخميسه مع اختلافهم في كونه فوريا، كما عليه السيد الامام “قده” او أنه يجوز التأخير الى سنة فان لم يصرفه في مؤونته في تلك السنة يجب تخميسه كما عليه بعض الاجلاء “دام ظله”.

وقد ذكر السيد الخوئي “قده” علی ما ببالي أن ظاهر قوله تعالى “واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه” وكذا قوله (عليه‌السلام) في موثقة سماعة “الخمس فيما افاد الناس من قليل او كثير” هو حدوث الخمس عند حدوث الفائدة، والمفروض قيام الدليل على عدم حدوث الخمس بحدوث الربح الذي يكون مؤونة السنة، فلا يمكن اثبات تعلق الخمس به بعد خروجه عن المؤونة.

وفيه أن هذا الوجه لا يتم على مبناه الفقهي من كون المؤونة مستثناة من الحكم التكليفي بوجوب الاداء فقط، دون الحكم الوضعي بتعلق الخمس، وعليه فيشمل دليل تعلق الخمس وضعا المؤونة حتى حدوثا، ومع مضي زمان اليقين بالترخيص في عدم اداء الخمس فيكون مقتضى حرمة الامساك بمال الغير وجوب اداء الخمس فورا.

نعم الصحيح كما عليه المشهور عدم تعلق الخمس وضعا بالمؤونة، وحينئذ يتم هذ الوجه الذي ذكره السيد الخوئي بتقريب أن المدلول المطابقي لأدلة الخمس ليس اكثر من حدوث الخمس عند حدوث الفائدة إما لأجل أن عنوان الافادة والغنم من العناوين المصدرية المفيدة للحدوث، او يقال -كما هو الظاهر- ان العرف يفهم من دليل الخمس عل الفوائد جعل ضريبة مالية عليها، فيكون كما لو وضعت الدولة ضريبة علي ما ورثه الاشخاص الا ما هو مؤونة لهم،‌ فان الظاهر منه حدوث الضريبة بحدوث الارث، والمفروض استثناء المؤونة منه فلو كان شيء مؤونة حال حدوث الارث ثم خرج عن كونه مؤونة فلايكون مندرجا في هذا القانون.

فلايقاس المقام بما لو قيل “اداء الدين بعد المؤونة” فان المتفاهم منه عرفا وان كان هو أن المؤونة مقدمة على الدين مادامت مؤونة، فان استغني عنها فيلزم اداء الدين، لكنه لاجل كون نكتته عرفا عدم الوقوع في المشقة، بخلاف المقام، فان العرف انما ينظر الى اداء الخمس كضريبة مالية شرعية، وخطاب الضريبة اذا لم‌يشمل موردا بالتخصيص ثم ارتفع عنوان المخصص فلايشمله بعده([36]).

 

 



[1] – مصباح الفقيه ج3ص171

[2] – نهاية الافكار ج4ق1ص 296

[3] – المعتبر ج1ص 170

[4] – بحوث في علم الاصول ج 6ص 196

[5] – مصباح الاصول ج 3ص 207

[6] – الرسائل ج1ص 202

[7] – المحاضرات اصول الفقه ج3ص 123

[8]– وسائل الشيعة ج4ص282

[9] – موسوعة الامام الخوئي ج 6ص 92

[10] – منهاج الصالحين ج1ص 54

[11] – هذا مبني على تصورات القوم في كون امثال المقام من الشبهة المفهومية التي يكون الشك فيه في حدود جعل المولى، ولكن مر منا مرارا عدم تمامية ذلك، فانه بعد كون نسبتها الى المولى بما هو مولى -لا بما هو عالم الغيب- والعبد على حد سواء فيكون الظاهر من خطاب الامر هو الامر بما يصدق عليه الطواف سبعة اشواط، فلو فصل عشر دقائق بين الاشواط فيشك في اتيانه بالواجب وهو ما يصدق عليه الطواف سبعة اشواط فتجري قاعدة الاشتغال.

[12] – موسوعة الامام الخويي ج25 ص261

[13] – مصباح الاصول ج3ص219

[14] – فرائد الاصول ج2ص 680

[15] – كفاية الاصول ص 424حاشية المكاسب ص198

[16] – فوائد الاصول ج 4ص 544

[17] – مصباح الاصول ج3ص217

[18]– فرائدالأصول، ج 2، ص 680

[19] – المكاسب ج5ص207

[20]– فرائدالأصول ج 2 ص 680

[21] – المكاسب ج5ص207

[22] – فرائد الاصول ج‏2 ص611

[23] – درر الفوائد ص 375

[24] – نهاية الدراية ج5ص218

[25] – فوائد الاصول ج 4ص202

[26] – بحوث في علم الاصول ج6ص 336

[27] – اضواء وآراء ج3ص 346

[28] – بحوث في علم الاصول ج6ص337

[29] – بحوث في علم الاصول ج6ص336 ، التعليقة

[30] – الرسائل ج 1ص 212

[31] – اضواء وآراء ج3ص347

[32] – الرسائل ج‏1 ص212

[33] – أضواء وآراء ج3ص 348

[34] – الاستصحاب ص 696

[35] – الاستصحاب ص 696

[36] – هناك محاولتان أخريان لاثبات عدم تعلق الخمس به:

احدهما: ما ذكره في المستمسك من أن الظاهر من صحيحة علي بن مهزيار “فاما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام” كون موضوع الخمس هو فائدة السنة، فما استغني عنه بعد مضي السنة لايكون مشمولا لدليل الخمس.

وفيه اولا: ان قيد “كل عام” في الصحيحة ليس راجعا الي موضوع الخمس حتي يفيد ان موضوع الخمس ارباح السنة،‌ بل هو في قبال الخمس المجعول من قبل الامام (عليه‌السلام) في صدر الصحيحة على الذهب والفضة في خصوص ذلك العام، فيكون مفاده ان الخمس في الغنائم والفوائد ثابت دائما، وثانيا: ان غاية ما يلزم من هذا البيان عدم الاطلاق في الصحيحة المذكورة بلحاظ السنة الثانية فلا مانع من التمسك باطلاق ادلة الخمس الاخري كموثقة سماعة “الخمس في ما افاد الناس من قليل او كثير”.

وثانيهما: ما يقال من أن المنصرف من دليل استثناء المؤونة، هو مؤونة سنة الربح، ومن الواضح ان ما استغني عنه يصدق عليه مؤونة سنة الربح، فاذن لاخمس فيه.4

وفيه أن غاية ما يقتضيه الانصراف او الاجماع هو كون موضوع الاستثناء مركبا عما هو مؤونة بالفعل وان يكون مؤونة سنة الربح، لظهور المؤونة في المؤونة الفعلية الا انها قيدت بكونها في سنة الربح، فعليه ان استغني عن المؤونة فلا تكون مؤونة بالفعل، فلا تندرج في موضوع الاستثناء