فهرست مطالب

فهرست مطالب


تقریرات دروس خارج مدرسه فقهی امام محمد باقر علیه السلام

 

 

تنبيه: مقتضى القاعدة الاولية في الشك في الركعات.. 1

اشکالات علی جریان الاستصحاب فی الشک فی الرکعات.. 2

الاشكال الاول: احتمال اتیان الزيادة المنهي عنها في الصلاة 2

جواب البحوث عن هذا الاشكال. 2

الاشكال الثاني: استصحاب عدم الركعة الرابعة اثناء الصلاة غير معقول. 4

الوجه الاول. 4

الوجه الثاني.. 7

ادله الاستصحاب.. 11

4- رواية اسحاق بن عمار. 11

الكلام في سند الرواية. 12

احتمالات فی دلالة رواية اسحاق بن عمار. 18

الاحتمال الاول: مفادها قاعدة لزوم تحصيل اليقين ببراءة الذمة. 18

الاحتمال الثاني: مفادها قاعدة اليقين.. 19

الاحتمال الثالث: كون مفادها الاستصحاب.. 20

الاحتمال الرابع: 24

الاحتمال الخامس: 26

بیان النتیجه: عدم دلالة الروایة علی الاستصحاب.. 30

 

 

 

تنبيه: مقتضى القاعدة الاولية في الشك في الركعات

تنبيه: في ختام البحث حول هذه الصحيحة لا بأس بصرف عنان الكلام الى مقتضى القاعدة الاولية في الشك في الركعات، و قد مر عن المحقق العراقي “قده” عدم انطباق الاستصحاب على الشك في الركعات، حتى لو اريد به اثبات وجوب ضم ركعة متصلة، لعدم اثبات كون التشهد و السلام في الركعة الرابعة، و قد أجبنا عنه، و لكن كان ينبغي أن يذكر بدل ذلك ثلاث اشكالات:

اشکالات علی جریان الاستصحاب فی الشک فی الرکعات

الاشكال الاول: احتمال اتیان الزيادة المنهي عنها في الصلاة

انه لو أتى بركعة أخرى متصلةٍ، احتمل كونها مصداقا للزيادة المنهي عنها في الصلاة، كما أنه لو سلّم في الركعة التي شك فيها احتمل كونه زيادة، و حينئذ فقد يقال بأن العلم الاجمالي بكون احدهما زيادة، يوجب معارضة الاصل المؤمن بالنسبة اليهما، نعم لو كان استصحاب عدم الاتيان بالركعة الرابعة كافيا لاثبات زيادة السلام من حيث انه ينفي تعلق الامر به و كل سلام لم يتعلق الامر به في الصلاة فهو زيادة، و كذا لو كان نافيا لزيادة ركعة أخرى متصلة من حيث اثباته تعلق الامر بها انحل العلم الاجمالي، لكن الصحيح أن ذلك يكون من الاصل المثبت، حيث ان عنوان الزيادة عنوان بسيط منتزع من الاتيان بشيء بقصد الجزئية و عدم الامر به و ليس مركبا منهما.

جواب البحوث عن هذا الاشكال

و قد أجاب في البحوث عن هذا الاشكال بما محصله أن الاصل النافي لمانعية الركعة كاصل البراءة عن مانعيتها، و ان كان يتعارض مع الاصل النافي لمانعية السلام بنكتة محذور الترخيص القطعي في مخالفة التكليف المعلوم بالاجمال، لكن بعد أن اتى المكلف بتلك الركعة يشك في تحقق زيادة ركعة، فيجري استصحاب عدم زيادتها بلا معارض، و بذلك يمكن الحكم بصحة الصلاة، و لعله لما قد يقال من أن استصحاب عدم الزيادة جار في مرحلة الامتثال فلا يكون معارضاً مع البراءة المعارضة في طرفي العلم الإجمالي بالمانعية، لأنّه يحرز امتثال ذلك العلم الإجمالي([1]).

مناقشه فی کلام البحوث

ولكن الصحيح أن وجه عدم جريان الاصل المؤمن عن زيادة السلام، هو اقتران الاتيان به في الركعة التي شك فيها بين الثلاث و الاربع مع الحكم ببطلان الصلاة ظاهرا من حيث الحكم بنقصان ركعة فيها بمقتضى الاستصحاب و قاعدة الاشتغال، فيجري الاصل المؤمن من مانعية الركعة بلا معارض، نعم انما يتم ذلك على مسلك الاقتضاء دون مسلك العلية.

و لو لم يتم هذا الجواب عن المعارضة كان استصحاب عدم زيادة ركعة متعارضا مع الاصل المؤمن عن مانعية السلام من اصل البراءة او استصحاب عدم المانعية، او استصحاب عدم كونه زيادة بنحو الاستصحاب في العدم الازلي، لاستلزام الجمع بينهما للترخيص القطعي في مخالفة التكليف المعلوم بالاجمال، و دعوى عدم جريان استصحاب عدم زيادة ركعة الا بعد الاتيان بالركعة غير تامة، لجريان الاستصحاب بحدوث الشك في كون ما سيأتي به زيادة، و ان كان المشكوك استقباليا، مضافا الى كفاية جريانه بعده في تحقق المعارضة، نعم لو كان المانع الزيادة كزيادة ركعة او سلام، فلا تجري البراءة عن المانعية حيث لا يشك فيها، و انما يشك في وجود المانع، فلا مجال لجريان الاصل المؤمن عن المانعية، و ينحصر الاصل المؤمن باستصحاب عدم المانع و هو استصحاب عدم زيادة ركعة، وهذا بخلاف ما لو ثبتت المانعية للركعة او السلام الزائدين، حيث تكون الزيادة حيثية تعليلة لثبوت المانعية للركعة التي ياتي بها مثلا ان كانت زائدة واقعا، وحيث يشك في زيادتها فيشك في انحلال المانعية لها فتجري البراءة عن مانعيتها.

هذا و يمكن أن يقال -كما في تعليقة البحوث بتقريب منّا- ان المانعية ان ثبتت للركعة او السلام الزائدين فحيث تثبت لكل ما اتصف على تقدير وجودها بكونها ركعة او سلاما زائدا، فلا يكفي في نفي هذا الاثر استصحاب عدم تحقق الزيادة بنحو مفاد ليس التامة، بل يلزم اجراءها بنحو ليس الناقصة بأن يقال ان هذه الركعة لم تكن زائدة، و لكنه يبتني على قبول الاستصحاب في العدم الازلي، و بناء على عدم قبوله فينحصر الاصل المؤمن بالاصل الحكمي النافي لمانعية هذه الركعة كاصل البراءة عنها ان اجيب عن شبهة المعارضة فيه([2]).

الاشكال الثاني: استصحاب عدم الركعة الرابعة اثناء الصلاة غير معقول

ما قد يقال من أن استصحاب عدم الركعة الرابعة اثناء الصلاة غير معقول لوجهين:

الوجه الاول

ويبتني على امرين:

الأمر الاول:

انّ الوجوب الضمني المتعلق بجزء المركب لا يسقط بمجرد الاتيان ب‍ه قبل الفراغ من المركب، وانما يسقط بعد الفراغ منه في ضمن سقوط الوجوب الاستقلالي للمركب، لأن ما ذكر في وجه سقوط الامر الاستقلالي بالاتيان بمتعلقه هو أن بقاءه طلب للحاصل، فيكون اطلاق جعله لما بعده لغوا، ولا يتعلق الجعل بالوجوب الضمني للجزء مباشرة حتى يقال بكون اطلاق جعله لما بعد الاتيان بالجزء لغوا، وانما هو تحليل لتعلق الجعل بالمركب، وكيف يقيَّد وجوب كل جزء بمادام عدم الاتيان به مع أنه ليس مجعولا مستقلا، بل المجعول هو وجوب المركب.

على أنه ان فرض ارتفاع الوجوب الضمني لكل جزء بمجرد الاتيان ب‍ه ولو قبل الاتيان ببقية الأجزاء، فلابد من حدوث تحول في وجوب بقية الأجزاء، بأن يصير وجوبا استقلاليا بالنسبة الى الجزء المأتي به، بعد أن كان وجوبا ضمنيا بالنسبة اليه، وهذا مضافا الى كونه خلاف الوجدان، يؤدي الى لغوية الجعل الاول لوجوب المركب حيث ان معناه أن الوجوب الضمني لغير الجزء الاول دائما يسقط بالاتيان بالجزء الاول مادام قابلا لالحاق سائر الأجزاء به، ويتحول الى وجوب جديد، ثم اذا ابطل الجزء السابق يعود الوجوب السابق للمركب، وهكذا.

على أنه الى ماذا يتحول؟، فإن تحول الى وجوب الحاق ببقية الأجزاء بهذا الجزء في ضمن هذا الفرد من المركب الذي بدأ به، فهو خلف الضرورة الفقهية في الواجب الموسع، حيث ان وجوب الواجب الموسع يبقى قابلا للامتثال باستئناف فرد آخر، وان تحول الى وجوب الجامع بين الحاق ببقية الأجزاء بهذا الجزء وبين الاتيان بالمركب في ضمن فرد آخر، فهذا التحول ايضا يكون لغوا، لكفاية الامر بطبيعي المركب، ولعمري أن هذا واضح جدا.

نعم قد يقال بامكان تصوير سقوط الواجبات الضمنية بالتدريج، بأن يؤخذ عدم الإتيان قيداً في متعلق الوجوب، لا في نفس الوجوب، بأن يقال: تجب الأجزاء غير المأتيّ بها من الصلاة.

وقد اجيب عنه بأن الواجب ان كان هو الإتيان بالمقدار الذي لا يأتي به في بعض الوقت، فهذا القيد حاصل دائما، إذ ما من جزء إلّا و هو لا يأتي به في بعض الوقت، و إن كان هو الاتيان بالمقدار الذي لا يأتي به في تمام الوقت او حين الاتيان بالمركب، فهذا مستحيل، لعدم امكان امتثاله، اذ كلما يأتي به من الأجزاء فيعني أنها ليست مأمورا بها.

الأمر الثاني:

بعد ما تبين عدم سقوط الوجوب الضمني للجزء قبل الفراغ من المركب، فيقال بأنه لا مجال حينئذ -بناءً على مسلك المشهور- لاستصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة اثناء الصلاة، حيث ان المشهور اعتبروا في المستصحب أن يكون حكماً شرعيا أو موضوع حكم شرعي، ولذا يكون تخريج استصحاب عدم الامتثال بأن يكون التكليف مغيى شرعا بمادام عدم الامتثال، فيكون الاثر الشرعي لاستصحاب عدم الامتثال بقاء التكليف، وبعد العلم ببقاء الوجوب الضمني للركعة الرابعة ولو مع الاتيان بها ما لم يفرغ من صلاته، فلا يوجد مجال لجريان استصحاب عدم الاتيان بالركعة الرابعة اثناء الصلاة.

نعم لا يتوجه هذا الايراد بناء على القول بعدم الحاجة إلى كون المستصحب حكماً أو موضوع حكم شرعي، وكفاية كون اثر جريان استصحاب عدم الامتثال تأكيد قاعدة الاشتغال، ولذا يجري هذا الاستصحاب ولو بناء على عدم كون الامتثال مسقطا لنفس التكليف بل كان مسقطا لفاعليته ومحركيته، لكن هذا القول خلاف ظاهر المشهور.

كما أنه بناء على مبنى سقوط الوجوب الضمني لكل جزء بمجرد الاتيان به، و لو قبل الاتيان بسائر اجزاء المركب، لا يتم هذا الايراد، اذ الشك في الاتيان بالركعة الرابعة مستلزم للشك في سقوط وجوبها الضمني، فينفتح المجال أمام جريان استصحاب عدم الاتيان بها للتعبد بالوجوب الظاهري الضمني بالاتيان بها.

لكن فرغنا في الأمر الاول عن عدم تمامية هذا المبنى.

الجواب عن هذا الاشكال في الوجه الاول

اقول: الجواب عن هذا الاشكال المذكور في الوجه الاول أنه حتى لو قيل بلزوم كون المستصحب حكما شرعيا او موضوعا لحكم شرعي -مع أنه خلاف التحقيق- فمع ذلك يكفي في اثر جريان استصحاب عدم الاتيان بالجزء، التعبد ببقاء الوجوب الاستقلالي بالمركب بعد الانتهاء عن المركب من دون تداركه، فيتنجز عليه الاتيان به قبل الانتهاء من المركب او اعادة المركب، و اوضح منه استصحابه لغرض الاتيان بالركعة المنفصلة، فانه يكون مقارنا لزمان الشك في سقوط الامر الاستقلالي بالمركب وهو ما بعد التشهد والسلام، لاحتمال اتمامه.

الوجه الثاني

بناء على سقوط الوجوب الضمني للجزء قبل الفراغ من المركب، فمع الشك في الاتيان بالركعة الرابعة وان كان يشك في بقاء وجوبها، فيمكن في حد ذاته جعل وجوب ظاهري مماثل بالاتيان بالركعة الرابعة، لكن يوجد اشكال في المقام، وهو أن قدرته على الاتيان بها تختص بفرض عدم اتيانه بها سابقا، فيعني ذلك أنّه إنّما يكون قادراً على امتثال هذا الوجوب الظاهري إن كان مطابقاً للواقع، وحيث هذا الوجوب كبقية الوجوبات مشروط بالقدرة، فيلزم من ذلك كون الحكم الظاهري مشروطا بالمطابقة للواقع، وهذا غير معقول، لأنّه غير قابل‏ للوصول حتّى يكون محرّكا‏.

و ان قيل بأن الواجب ليس هو الركعة الرابعة بما هي رابعة، بل ذات الركعة، فهذا الاستصحاب إنّما يثبت وجوب الإتيان بركعة، و هذا أمر بشي‏ء مقدور حتماً، فنقول: انّ الواجب الضمني هو الاتيان بركعة في صلاة لا زيادة فيها او فقل ان الواجب الضمني هو الاتيان بركعة غير زائدة، فهذا الحكم يشكّ في القدرة على امتثاله.

الجواب عن وجه الثانی

اقول: يرد على هذا الوجه الثاني اولا: أنه لا يحتمل أنه بمجرد الاتيان بثلاث ركعات مثلا وسقوط وجوبها الضمني، يتحول وجوب الصلاة الى وجوب تعييني لاتيان الركعة الرابعة في هذه الصلاة، وانما غايته تحوله الى امر بالجامع بينه وبين الاتيان بالصلاة في ضمن فرد آخر، وحينئذ يكون الواجب جامع الركعة الرابعة إما في هذه الصلاة او في صلاة أخرى، فتكون نتيجة استصحاب عدم الاتيان بالركعة الرابعة ثبوت وجوب ظاهري بهذا الجامع، وهذا مقدور، حتى لو كان قد أتى بالركعة الرابعة قبل ذلك، حيث يمكنه الاتيان بالركعة الرابعة في ضمن صلاة أخرى، فاذا اتى بركعة أخرى في الصلاة التي بيده واتمها يعلم بسقوط الامر بالصلاة رأسا فيرتفع موضوع ذلك الوجوب الظاهري، فلا يتوجه هذا الايراد.

وهذا على القول بسقوط الوجوب الضمني بالاتيان بالجزء، مشروطا بشرط متأخر، و هو لحوق بقية اجزاء المركب به في المستقبل، واضح، وأما على القول بسقوطه التنجيزي، فقد يدعى أنه يتحول الى وجوب تعييني بالحاق بقية الاجزاء، نعم اذا عصى وابطل صلاته يعود وجوب الصلاة، فحينئذ يتوجه هذا الايراد([3])، ولكن تندفع هذه الدعوى بأن الالتزام بالسقوط التنجيزي للوجوب الضمني لكل جزء، كثلاث ركعات، بمجرد الاتيان بها، لا يعني تحوله الى وجوب تعييني بالاتيان بالركعة الرابعة في تلك الصلاة، لما ذكرنا من عدم احتماله فقهيا، وانما غايته تحوله الى امر بالجامع بينه وبين الاتيان بفرد آخر من الصلاة، فيكون امرا بالمقدور,

نعم اذا فرض ضيق الوقت بحيث لا يمكنه أن يأتي فيه بالركعة الرابعة في ضمن صلاة أخرى فلو قيل بسقوط الوجوب الضمني بعد اتيان الجزء تنجيزيا او مشروطا بالشرط المتأخر، فانما يتحول الى الامر بالاتيان بسائر الأجزاء في ضمن هذه الصلاة.

وثانيا: ان مفاد الاستصحاب وان كان حكما تكليفيا طريقيا، حيث ان مفاده النهي عن النقض العملي لليقين بالشك، لكن العرف يلتفت الى أن روحه ابراز الاهتمام بالتكليف الواقعي على تقدير وجوده، والمفروض أن التكليف الواقعي على تقدير وجوده مقدور، فلا وجه لانصراف خطاب الاستصحاب عنه، خصوصا بعد أن كان مورد الشك في القدرة مجري لحكم العقل بالاحتياط.

کلام تعليقة مباحث الاصول

وما في تعليقة مباحث الاصول من أنه حيث يكون لسان دليل الاستصحاب لسان الحكم التكليفي، وان اختلف روحه عن روح الحكم التكليفي الواقعي، فهذا اللسان لا يناسب عرفاً شموله لفرض عدم القدرة، فهو يختصّ بفرض القدرة، و لا يقال: إنّنا و إن شككنا في القدرة لكنّنا نتمسّك بأصالة الاشتغال الجارية في موارد الشك في القدرة، فإنّه يقال: إنّ أصالة الاشتغال كانت ثابتة منذ البدء، فلا داعي إلى توسيط الاستصحاب.

نعم لو لم يكن مفاد الاستصحاب حكماً تكليفيّاً فمجرد كونه أصلا عمليّا يجب أن ينتهي إلى أثر عمليّ و إلى التحريك أو التعذير، لا يمنع من شموله لفرض الشك في القدرة على التحرك، اذ لو كان مفاده مجرّد تنجيز الواقع مثلًا، فيكفي في قابليّة الواقع للتنجيز احتمال القدرة، لأنّه يعلم أنّه على تقدير تحقّق القدرة فالمولى لا يرضى بفوات الواقع([4]).

مناقشه

ففيه أن العرف بعد ما يلتفت أن روح الحكم الظاهري هو تنجيز الواقع او فقل ابراز الاهتمام بالواقع فلا يرى انصرافه عن مورد الشك في القدرة، خصوصا مع جريان قاعدة الاشتغال، وما ذكره من لغوية جريان الاستصحاب حينئذ، بعد أن قاعدة الاشتغال كانت جارية من اول الامر، ففيه أن جريان الاستصحاب كان لغرض التنجيز ونفي التأمين من ناحية احتمال عدم اهتمام الشارع بالواقع المشكوك حتى لو كان مقدورا، والاستصحاب ليس بحاجة اليها وانما المفروض حاجته الى جريان قاعدة الاشتغال في مورد الشك في القدرة حيث انها تنجز من ناحية أخرى وهي احتمال عدم اهتمام المولى بالواقع من ناحية الشك في القدرة.

وثالثا: ان المهم في استصحاب عدم الاتيان بالركعة الرابعة المثبت لوجوب الاتيان بذات الركعة الرابعة هو القدرة عليها، والمفروض احراز هذه القدرة وأما احتمال أنه اذا اتى بها فتحصل زيادة ركعة في الصلاة فهو مما لا يرتبط بامتثال الحكم الظاهري الناشء من ذلك الاستصحاب، ولابد من التصدي لعلاجه باجراء استصحاب عدم الزيادة.

هذا كله بالنسبة الى اجراء استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة بداعي التحريك نحو ركعة متصلة، حسب القاعدة مع قطع النظر عن مذهب الشيعة من لزوم صلاة الاحتياط.

و أمّا إجراءه بداعي التحريك نحو ركعة الاحتياط، فحيث انه مر استكشاف ثبوت التكليف في حق كل مكلف بالجامع بين اربع ركعات متصلات و ثلاث ركعات مع ركعة منفصلة في حال الشك بين الثلاث والاربع، فقد ذكر في مباحث الاصول أنه حيث لم يتشهّد بعدُ و لم يسلّم، فالوجوب -على ما هو الصحيح في سقوط الوجوبات الضمنية- باقٍ على حاله، فلا معنى لاستصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة من باب كونه موضوعاً لحكم شرعي، و إثبات وجوب ركعة منفصلة، نعم لا بأس باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة من باب جريان الاصول الشرعية في مرحلة الامتثال، بلا حاجة إلى إرجاع الشكّ إلى الشكّ في التكليف.

ثم قال: نعم لو فرض كون الملاك الأولي في الصلاة ذات أربع ركعات متّصلات، و فرض أنّه يوجد ‏في حق الشاكّ ملاك آخر مباين للملاك السابق يوجب وجوباً جديداً متعلقا بالجامع بين الإتيان بركعة منفصلة، او بإبطال الصلاة و إعادتها، حيث ان هذا الملاك الجديد يستوفى بأحدهما، فلا بأس حينئذ بما ذكره المحقّق النائيني “قده” من استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة من باب كونه موضوعاً لحكم شرعي، لكن ليس هذا الحكم الشرعي هو وجوب ركعة الاحتياط كما ذكره، بل الجامع بينه و بين الإعادة عند الإبطال‏.

و لكن هذا الفرض خلاف ظاهر الروايات كرواية عمار الساباطي “أ لا اعلمك شيئا ان اتممت او نفصت لم يكن عليك شيء، اذا سهوت فابن على الاكثر”، فإنّ ظاهر هذا الكلام هو أنّه بهذه العملية لا يفوته شي‏ء من الملاك الأوّل، نعم لا نضايق من دعوى: أنّ العرف يرى وجوبين فيكون الشك في امتثال هذا الامر بالجامع، فيكون على وزان جريان استصحاب عدم الامتثال في سائر الموارد، إما لغرض اثبات بقاء وجوبها بناء على ما هو الظاهر من كون التكليف مغيى بالامتثال، او لغرض التأكيد على قاعدة الاشتغال بناء على عدم كون التكليف مغيى بالامتثال، فلا يتم جريانه حينئذ على مبنى المشهور من لزوم كون المستصحب حكما شرعيا او موضوع حكم شرعي.

نعم بناء على كون الشك بين الثلاث والاربع مع عدم الاتبان بالاربع واقعا موضوعا لتكليف جديد كما هو ظاهر المحقق النائيني والسيد الخوئي “قدهما” فيجري الاستصحاب بلا اشكال[5].

ولا بأس بما أفاده، عدا ما ذكره من ان العرف يرى حدوث وجوب جديد بركعة الاحتياط ولو تخييرا بينه وبين اعادة الصلاة عند الشك بين الثلاث والاربع، حيث قلنا انه نظر مسامحي من العرف، ولا عبرة به.

ادله الاستصحاب

4- رواية اسحاق بن عمار

الروایة الرابعة: ما في من لا يحضره الفقيه من أنه روي عن اسحاق بن عمار أنه قال: قال لي ابو الحسن (عليه السلام) اذا شككت فابن علي اليقين، قلت: هذا اصل ، قال: نعم([6]).

و يقع الكلام تاره في سندها و أخرى في دلالتها.

الكلام في سند الرواية

أما سندها فيناقش فيه من جهتين:

الجهة الاولى: ما ذکره جماعة منهم السيد الصدر “قده” على ما في مباحث الاصول([7])، من أنه حيث عبَّر في الفقيه بأنه روي عن اسحاق بن عمار فلا يشمله ما ذكره في مشيخته من كون الروايات التي يرويها عن إسحاق بن عمار يرويها عن ابيه عن عبد اللّه بن جعفر الحميريّ، عن عليّ بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمّار([8]).

و فيه اولا: ان التعبير الوارد في مشيخة الفقيه من أن ما كان فيه عن اسحاق بن عمار فقد رويته عن ابي… و لا ينبغي الاشكال في شموله لمثله، بل الظاهر أنه لو قال “و ما رويته عن اسحاق بن عمار فقد رويته عن ابي” لكان يشمله، لصدق انه رواه عنه، بعد وضوح كون المقصود روايته عنه بالواسطة.

و ثانيا: حتى لو فرض عدم ظهور هذا التعبير في شموله لمثله، فتوجد هناك قرينة قطعية على شموله له، و هي أن ترتيب ذكر الاسانيد في مشيخة الفقيه هو حسب ترتيب روايات الفقيه عادة، و قد راجعنا عمدة الجزء الاول من الفقيه فظفرنا بعدة موارد انطبق سند الفقيه على ما كان التعبير فيه بروي عن فلان، و هذا ما اقتطفناه من الجزء الاول:

1- هشام بن سالم ص 7

2- سأل علي بن جعفر ص 8

3- سأل عمار الساباطي ص 8

4- روي عن ابي بصير ص19

5- روى اسحاق بن عمار 20

6- يعقوب بن عثيم 21

7- جابر بن يزيد الجعفي ص 21

8- محمد بن مسلم ص 21

9- كردويه الهمداني ص 22

10- وجدت بخط سعد بن عبدالله ص 25

11- هشام بن سالم ص 27

12- عمر بن يزيد ص 28

13- باسناد منقطع يرويه ابو جعفر الاحول ص 38

14- زرارة بن اعين ص44

15- جاء نفر من اليهود ص 55

16- كتب الرضا (عليه السلام) الى محمد بن سنان ص 56

17- روى ابو بصير ص 60

18- رواية زيد الشحام و المفضل بن صالح ص 60

19- عبد الرحمن بن ابي عبد الله ص 63

20- اسماعيل بن جابر ص 63

21- سماعة بن مهران ص 63

22- حريز ص 64

23- عبد الله بن ابي يعفور ص 64

24- عبد الله بن بكير ص 66

25- محمد الحلبي ص 67

26- حكم بن حكيم بن ابي خلاد ص 69

27- ابراهيم بن ابي محمود ص 69

28- حنان بن سدير ص 69

29- محمد بن النعمان ص 70

30- ابو الاعز النخاس ص70

31- سماعة بن مهران ص 78

32- عبيد الله بن علي الحلبي ص 83

33- معاوية بن ميسرة ص 107

34- عبد الرحمن بن ابي نجران ص 108

35- محمد بن حمران و جميل بن دراج ص 109

36- عبد الله بن سنان ص 109

37- يحيى بن سعيد الاهوازي ص 112

38- علي بن يقطين ص114

39- سأل ابو بصير ج1ص 115

40- و روي عن عبيد الله المرافقي ص117

– 41- عبد الرحمن بن مسلم المعروف بسعدان ص 118

42- روى الريان بن الصلت ص 120

43- و دخل الحسن بن جهم ص 122

44- وروى عبد الرحيم القصير ص 126

45- الحسين بن ابي العلاء ص 127

و لنذكر الآن اسماء من ذكرهم في اوائل المشيخة:

1- كل ما كان فيه عن عمار بن موسى الساباطي المذكور في رقم 3

2- كل ما كان فيه عن علي بن جعفر رقم 2

3- كل ما كان فيه عن اسحاق بن عمار، رقم 5

4- و ما كان عن يعقوب بن عثيم رقم 6

5- جابر بن يزيد الجعفي رقم 7

6- محمد بن مسلم الثقفي رقم 8

7- كردويه الهمداني رقم 9

8- سعد بن عبد الله رقم 10

9- هشام بن سالم رقم 11

10- عمر بن يزيد رقم 12

11- زرارة رقم 13

12- حريز رقم 22، قدمه لاشتراك سنده مع زرارة فقال فقد رويته بهذا الاسناد

13- حماد خالف الترتيب لنفس النكتة التي ذكرنا في حريز.

14- جاء نفر من اليهود رقم 15

15- زيد الشحام رقم 18

16- عبد الرحمن بن ابي عبد الله البصري رقم 19

17- اسماعيل بن جابر رقم 20

18- سماعة بن مهران رقم 21

19- زرعة عن سماعة، خالف الترتيب لمناسبته مع السابق

20-عبد الله بن ابي يعفور رقم 23

21- عبد الله بن بكير رقم 24

22- محمد الحلبي رقم 25

23- حكم بن حكيم ابن اخي خلاد رقم 26

24- ابراهيم ابن ابي محمود رقم 27

25- حنان بن سدير 28

26- محمد بن النعمان رقم 29

27- ابو الاعز النخاس رقم 30

28- ما كته الرضا الى محمد بن سنان رقم 16

29- عبيد الله الحلبي رقم 32

30- معاوية بن ميسرة رقم 33

31- عبد الرحمن بن ابي نجران رقم 34

32- محمد بن حمران و جميل بن دراج رقم 35

33- عبد الله بن سنان رقم 36

34- البزنطي خالف الترتيب فيه

35- ابي بصير رقم 39

36- عبيد الله المرافقي رقم 40

37- سعدان بن مسلم و اسمه عبد الرحمن بن مسلم رقم 41

38- الريان بن الصلت 42

39- الحسن بن جهم رقم 43

40- عبد الرحيم القصير رقم 44

41- الحسين بن ابي العلاء رقم 45

فترى رعاية الترتيب فيه عادة، بحيث نجزم بأن الموارد التي رأينا بهذا المقدار من التتبع في الجزء الاول من انطباق الطريق على ما كان التعبير فيه ب‍ “روي عن فلان” كاشفا عن كونه ناظرا اليه، و هي:

1- روي عن عبيد الله المرافقي رقم 40، و قد اتضح كيفية رعاية الترتيب فيه.

2- روي عن يحيى بن عباد المكي ص 145([9]).

3- روي عن هشام بن الحكم ص 176

4- روي عن زيد بن علي بن الحسين، ص 198

5- فروي عن اسماء بنت عميس، ص 203

6- روي عن جويرية بنت مسهر، ص 203

7- روي عن معمر بن يحيى 205

8- روي عن عائذ الاحمسي ص205

9- روي عن مسعدة بن صدقة ص 206

10- وروي عن الاصبغ بن نباتة ص 231،

11 – و روي عن جابر بن عبد الله الانصاري ص 232، ([10])

بل وجد اسمان في المشيخة لم يكن في الفقيه رواية عنهما الا بالتعبير ب “روي عنه”:

1- روي عن مصعب بن يزيد الانصاري ج2ص48= ما كان فيه عن مصعب بن يزيد الانصاري ج4ص 480

2- روي عن ياسر الخادم ج 1ص 268، ج 2 ص 171= و ما کان عن یاسر الخادم ج 4ص 453.

و يوجد اسمان لم يكن في الفقيه الا رواية عنهما بلسان روي عنهما مرة و بلسان روي فلان عنهما أخرى:

1- روي عن الفضل بن ابي قُرة السمندي، ج2ص63 ، روى شريف بن سابق التفليسي ج3ص 163= ما كان فيه عن الفضل بن ابي قرة السمندي ج 4ص 481.

2- عيسى بن ابي منصور ج2ص 127، روى ابن مسكان عن عيسى بن منصور ج 3ص215= و ما كان فيه عن عيسى بن منصور ج4ص 487.

الجهة الثانية: ان علي بن اسماعيل الواقع في السند هو علي بن اسماعيل بن عيسى القمي الذي روى عنه عبد الله بن جعفر الحميري، و هو يروي عن حماد بن عيسى و صفوان و ابن ابي عمير و غيرهم و لم يرد في حقه توثيق، و قد اعتمد عليه السيد الخوئي “قده” في المعجم([11]) لوروده في كامل الزيارات ([12])، بناء على مبناه السابق من التوثيق العام لرجال كامل الزيارات مطلقا و لو كان من المشايخ مع الواسطة لابن قولويه صاحب كامل الزيارات، و قد عدل عنه و كان عدوله في محله، و قد ادعي الوحيد البهبهاني انه علي بن السندي من جهة الاتحاد في الراوي و المروي عنه في موارد، و قد نقل الكشي عن النصر بن صباح أنه قال علي بن اسماعيل ثقة، و هو علي بن السندي لقب إسماعيل بالسندي، اقول: حتى لو ثبت اتحاده مع ابن عيسى فمع ذلك لا يفيد، لأنه لا عبرة بتوثيقات نصر بن صباح لعدم ثبوت وثاقة نفسه، و قد قالوا: انه غالٍ.

نعم وثقه صاحب المستدرك “ره” لنقل الاجلاء -كالحميري و سعد بن عبد الله و احمد بن محمد بن عيسى- عنه، كما وثقه بعض الاجلاء “دام ظله”، لاكثار الشيخ الطوسي الرواية عنه من دون تضعيفه([13])، و قد يضم اليه كونه من رجال نوادر الحكمة و لم يستثنه ابن الوليد، فان اورث ذلك الوثوق بكونه ثقة عندهم فهو، و الا فيشكل سند الرواية من هذه الجهة.

احتمالات فی دلالة رواية اسحاق بن عمار

و أما دلالتها فتوجد فيها عدة احتمالات:

الاحتمال الاول: مفادها قاعدة لزوم تحصيل اليقين ببراءة الذمة

ما جعله الشيخ الاعظم “قده” امرا مفروغا عنه، وهو كون مفادها قاعدة لزوم تحصيل اليقين ببراءة الذمة في الشك في الركعات.

و لكنه خلاف الظاهر، اذ -مضافا الى ما قد يقال من أن لازمه تخصيصها بباب الشك في الركعات، و الصدوق و ان اوردها في باب الشكوك في الصلاة، لكن لا توجد قرينة في الرواية على اختصاصها بها- ان ظاهرها جعل اليقين مفروض الوجود فيأمر بالبناء عليه عند حصول الشك، فكأنه قال “اذا كان لك يقين فشككت فابن على يقينك”، و اين هذا من الامر بتحصيل اليقين.

و ما في كتاب الاضواء من أن مجرد قوله (عليه السلام) “إذا شككت…” لا يكفي للدلالة على وجود اليقين السابق و النظر إلى حجيته و البناء عليه، و قد ورد التعبير بالبناء على اليقين في قاعدة البناء على الأكثر في روايات اخرى، كرواية قرب الاسناد عن محمّد بن خالد الطيالسي عن العلاء قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): رجل صلّى ركعتين و شك في الثالثة؟ قال: يبني على اليقين فإذا فرغ تشهّد و قام قائماً فصلّى ركعة بفاتحة القرآن([14])، و في رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي ابراهيم (عليه السلام) في السهو في الصلاة قال: تبني على اليقين و تأخذ بالجزم و تحتاط بالصلوات كلّها([15]).

و هذا الأخير صريح في ارادة تحصيل اليقين بالاحتياط بالركعة المنفصلة، و ما ذكر من ظهور التركيب المذكور في فعلية اليقين ممنوع، فإنّ ملاك هذه الدلالة هو اللام الظاهر في الإشارة و العهد و لو إلى الطبيعة و الجنس أو الأفراد، إلّا انّ هذا فرع عدم وجود معهود آخر ارتكازي و هو موجود في مثل المقام لمعهودية ما هي الوظيفة العملية الشرعية و هي تحصيل اليقين بصحة العمل المأتي به، فالانصاف انّ الرواية أيضاً لا ظهور فيها في الاستصحاب، و لعل فهم الفقهاء و المحدّثين لارتباطها بتلك القاعدة([16]).

و فيه أن البناء على اليقين في الروايات التي اوردها ايضا ظاهر في البناء على الاقل و هذا لا ينافي كون الواجب ضم ركعة الاحتياط، فالظاهر عدم ارادة قاعدة لزوم تحصيل اليقين من رواية اسحاق بن عمار.

الاحتمال الثاني: مفادها قاعدة اليقين

كون مفادها قاعدة اليقين، بأن يكون تعبدا بالبناء على اليقين السابق بالحدوث، في مورد الشك اللاحق في نفس الحدوث، فقد يقال بظهورها فيها، بدعوى أن ظاهر “اذا شككت فابن على اليقين” هو وحدة متعلق اليقين و الشك حقيقة، لا مسامحة، و هذا موجود في قاعدة اليقين، بينما أنه في الاستصحاب تكون وحدتهما مبنية على المسامحة، حيث انه بالدقة العرفية يكون متعلق اليقين هو حدوث الشيء و متعلق الشك هو بقاءه.

و قد يدعى اجمالها و ترددها بين قاعدة اليقين و بين الاستصحاب.

الاحتمال الثالث: كون مفادها الاستصحاب

ما ذهب اليه جماعة منهم السيد الخوئي “قده” من كون مفادها الاستصحاب، دون قاعدة اليقين، ويذكر لذلك عدة وجوه:

وجه الاول

1-ان ركن قاعدة اليقين وهو اليقين بحدوث شيء غير حاصل قبل ذلك، امر قد يحصل و قد لا يحصل، بينما أن اليقين بالحالة السابقة موجود غالبا في الامور التي يبتلي بها الانسان عادة، فإن لم يكن هو اليقين بالوجود فاليقين بالعدم الذي هو الاصل في الممكنات، حتى لو غمضنا العين عن العدم الازلي في اوصاف الاشياء، وعليه فلا يحتاج فرض وجود اليقين بالحالة السابقة الى مؤونة زائدة، فان كان المراد من قوله “اذا شككت فابن على اليقين” فرض الشك الساري في مورد قاعدة اليقين كان ينبغي أن يقال “اذا حصل اليقين ثم شككت فابن على اليقين”، و حيث لم يفرض ذلك فيكون ظاهرا في الشك في بقاء الحالة السابقة.

مناقشه

و قد يورد على هذا الوجه بأنه بعد كثرة النقل بالمعنى في الروايات، فلا يمكن الاستناد الى مثل هذه التدقيقات، فان وثاقة الراوي لا تمنع من حصول تغير في المعني مما لا يدرك بالنظر البدوي للأشخاص العاديين غير المتعمقين، فانه لو كانت القرينة المتصلة بنحو يحتاج الالتفات اليها الى مقدار من التعمق الذي قد لا يتحقق للراوي حين نقله بالمعني او حين تقطيعه للكلام، فلم يحرز بناء العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال ضياع القرينة اذا كان احتمالا معتدا به، بحيث يمنع من حصول الوثوق والاطمئنان، مثال ذلك أن الانسان بعد الدقّة العرفية يحسّ بالفرق بين أن يقول الامام (عليه السلام) ابتداء: “ما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر” وبين ما ورد من ان الله لم يحرم الخمر لاسمه ولكن حرمه لعاقبته، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر، فان اطلاق التعبير الاول يقتضي تنزيل المسكر منزلة الخمر في جميع احكامه، لا خصوص حرمة الشرب بخلاف الثاني، مع أن وثاقة الراوي لا تمنعه من أن يقطّع هذا الحديث، وينقل عن الامام (عليه السلام) أنه قال “ما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر” لعدم التفاته بالنظر البدوي الى تأثير ذلك في تغيير ظهوره.

و الظاهر انحصار حلّ الشبهة بالتمسك باطلاق الدليل اللفظي على حجية خبر الثقة مثل صحيحة الحميري “العمري وابنه ثقتان، فما اديا اليك فعني يؤديان، فاسمع لهما واطع فانهما الثقتان المأمونان”.

وجه الثانی

2- ما عن جمع من الأعلام، منهم السيد الخوئي “قده” من أن ظهور عنوان اليقين في اليقين الفعلي عند البناء عليه، و لا يستقيم فعلية اليقين و الشك معا عند البناء على اليقين إلّا في مورد الاستصحاب، و أما في مورد القاعدة فاليقين منتفٍ في ظرف البناء عليه([17]).

و فيه أن فرض الشك الفعلي حيث لا يجتمع عرفا مع اليقين، فيكون قرينة على كون المراد من الامر بالبناء العملي على اليقين هو البناء العملي على اليقين السابق، بل الامر كذلك في الاستصحاب، فانه اذا لم يلحظ حيثية الحدوث في متعلق اليقين في الاستصحاب فيقال “كان على يقين من ذلك فشك” كما في صحيحة زرارة الثانية، و اذا لوحظ حيثية الحدوث في متعلق اليقين فاليقين و ان كان موجودا فعلا، بخلاف مورد قاعدة اليقين حيث انعدم اليقين، و لكن النظر العرفي في الاستصحاب على عدم لحاظ حيثية الحدوث و البقاء كثيرا ما في متعلق اليقين و الشك، و لذا يقال “كنت قبل ساعة عالما بالطهارة و اشك فيه الآن” و ان كان لا مانع عرفا ايضا من لحاظهما بأن يقال “انا عالم بطهارتي قبل ساعة و اشك في طهارتي الآن” بل هو المتعين عرفا فيما اذا لم يكن زمان طروّ اليقين متقدما على زمان الشك، حيث لا يقال بالنسبة اليه انك كنت على يقين من طهارتك فشككت، و ان كان يشمله عموم نهي نقض اليقين بالشك.

ثم ان المقام لا يرتبط ببحث كون حمل المشتق على ما انقضى عنه المبدأ مجازا، فاننا لا نحمل على الحالة الفعلية وصف اليقين باعتبار كونها في السابق متصفة بوصف اليقين، كما لا نخبر عن الشاك بأنه متيقن، بل نلحظ اليقين السابق و نجعله موضوعا للحكم، كما في قوله تعالى “جزاء سيئة سيئة مثلها” فان السيئة التي يجازى عليها ليست موجودة، و هكذا يقال “يهان زيد لضربه اليتيم” مع أن ضرب اليتيم يكون قبل لزوم أهانة الضارب.

و عليه فلو فرضنا كون الرواية هكذا “اذا حصل لك اليقين فشككت فابن على اليقين” -بحيث لا يأتي فيه الوجه السابق- فالعرف لا يستظهر من الرواية الاستصحاب في قبال قاعدة اليقين.

وجه الثالث

3- ما في مباحث الاصول من أنّ ارتكازيّة الاستصحاب دون قاعدة اليقين توجب صرف العبارة إليه، خصوصاً مع كون الاستصحاب مذكوراً في كلمات الفقهاء و الاصوليين منذ وجد الاصول، بخلاف قاعدة اليقين التي هي فكرة مستحدثة عندهم.

و مما يؤيد ظهور الرواية في الاستصحاب أنّ الراوي فهم بحسب اعتقاده المقصود، و لم يتردّد فيه، فانتقل إلى السؤال عن أنّ هذا أصل كلّي أو لا، و من الواضح أنّ العبارة لو لم تكن -بالرغم من كلّ ما عرفت- ظاهرة في الاستصحاب فلا أقلّ من عدم ظهورها في قاعدة اليقين، و من البعيد جدّاً أن ينتقل ذهن الراوي الى قاعدة اليقين دون الاستصحاب، بالرغم من ارتكازيّة الاستصحاب، و كونه معترفاً به و لو في الجملة لثبوته في باب الطهارة الحدثية و الخبثية على الأقلّ بناءً على المناقشة في التعدّي من مورد الصحيحتين الاوليين([18]).

اقول: لو كانت الرواية “اذا تيقنت ثم شككت فابن على اليقين” بحيث انتفى الوجه الاول فصحيحٌ أن قول اسحاق بن عمار “هذا اصل” كاشف عن فهمه لمعنى، لكن من المحتمل أنه خطر بباله قاعدة اليقين، و لو لأجل عدم فرض اختلاف متعلق الشك و اليقين، حتى من حيث الزمان، بحيث يكون المتيقن والمشكوك هو الحدوث، و هذا لا ينافي عدم ظهور كلام الامام (عليه السلام) فيها، اذ الخطور ببال السامع ليس مساوقا للظهور لدى العرف العام، و يحتمل أنه خطر بباله الاستصحاب لرجحان احتماله على احتمال كون المراد قاعدة اليقين، لكن الاحتمال الراجح ليس ظهورا.

و أما ما ذكره من ارتكازية الاستصحاب و معروفيته لدى الفقهاء، بخلاف قاعدة اليقين، ففيه أن ارتكازية الاستصحاب في الجملة ان تمت، فيمكن دعوى ارتكازية قاعدة اليقين ايضا في الجملة، بالنسبة الى ما لو شك في الماضي البعيد.

على أن من المحتمل أن كلام الامام كان مشتملا على قرينة توجب ظهوره في قاعدة اليقين ففهم منه اسحاق بن عمار ذلك، لكنه حين النقل بالمعنى أغفل ذكر القرينة فاوجب اجمال الرواية.

وجه الرابع

4- ما في تعليقة البحوث من أنه لعل الأولى استبعاد احتمال إرادة قاعدة اليقين بأن مجرد ذكر اليقين و الشك لا يكفي لإفادة ركنيها، بل لابد من أخذ عناية تعلق الشك فيها بنفس ما تعلق به اليقين، أي لابد من ملاحظة خصوصية الحدوث، و أن الشك قد تعلق بالمتيقن في زمان حدوثه لا بذات المتيقن كما في الاستصحاب، فان اليقين و الشك فيه يضافان إلى ذات الشي‏ء مع تجريده عن الزمان، و من هنا كان التعبير بأني كنت على يقين بشي‏ء فشككت فيه في موارد الاستصحاب صحيحا واضحا لا مجملا مرددا بينه و بين القاعدة فتأمل جيدا([19]).

و فيه أنه اذا قيل “اذا كنت على يقين من شيء فشككت فابن على اليقين” فلا يحتاج قاعدة اليقين الى لحاظ الحدوث في متعلق اليقين، بل لو لوحظ ذات الشيء صلح التعبد بقاعدة اليقين فيه، فيقال لمن تيقن انه عقد على أمرأة ثم شك “اذا كنت على يقين من شيء فشككت فابن على اليقين” مع أننا بالوجدان لم نلحظ في متعلق اليقين الا ذات الشيء دون حدوثه.

المهم هو الوجه الاول

فالمهم هو الوجه الاول، و يؤيده تكرار مضمون الاستصحاب، و لو بنحو الموجبة الجزئية، اي في مثل استصحاب الطهارة الحدثية و الخبثية، في الروايات الأخرى، و أما ما مرّ من ظهور الخطاب في وحدة متعلق اليقين و الشك، و لا تنحفظ وحدتهما الحقيقية في مورد الاستصحاب بخلاف قاعدة اليقين، ففيه أن هذا المقدار من الاختلاف بين متعلق اليقين و الشك و هو كون الملحوظ في الاول حدوث شيء و في الثاني بقاءه، لا يضر بوحدة متعلقهما عرفا، مضافا الى أنه مر عدم لحاظ العرف كثيرا ما حيثية الحدوث و البقاء، بل يلحظ ذات الشيء، و لذا يعبَّر عن اليقين بصيغة الماضي.

هذا و قد يدعى شمول اطلاق الخطاب لكل من قاعدة اليقين و الاستصحاب، و هذا وان لم يقدح في صحة الاستدلال به على الاستصحاب، لكن مر الاشكال فيه و سيأتي بيانه في ذيل الرواية القادمة.

فتحصل مما ذكرناه أنه لو دار الامر بين ارادة قاعدة اليقين وارادة الاستصحاب فالثاني متعين، لكن المهم ملاحظة الاحتمالات الأخرى ايضا، فانتظر.

الاحتمال الرابع:

أن يراد من الامر بالبناء على اليقين اقتصار المكلف في مقام العمل على اليقين، فلا يعمل الا وفق ما يكون على يقين به، فان دأب اهل الهدى المضي على اليقين، و دأب اهل الضلال المضي على الشك، فقد كتب امير المؤمنين (عليه السلام) الى معاوية “و أما استواؤنا في الحرب و الرجال، فلستَ بأمضى على الشك مني على اليقين”، و من الواضح ان المراد منه اليقين الفعلي لا اليقين السابق، و في مستطرفات السرائر عن كتاب حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) من أنه قال: إذا جاء يقين بعد حائل -اي تيقن بعد صلاة العصر بعدم اتيانه لصلاة الظهر- قضاه و مضى على اليقين([20]).

ان قلت: ان الظاهر من قوله “اذا شككت فابن على اليقين” أن الشك لا يكون مانعا لك عن بناءك على يقينك، فاعمل كأنك لم تشك، في قبال أن يبني على الشك، اي يعتدّ به و يبني على وجود ما شكّ فيه كما ورد في صحيحة زرارة الثالثة “و يبني على اليقين و لا يعتد بالشك في حال من الحالات”.

و الشاهد عليه أنه اذا كان المراد من الرواية الامر بسلوك الطريق اليقيني فلم يكن يناسب أن يعلِّق الامام (عليه السلام) الامر بالمضي على اليقين على ما اذا شك، فانه يلزم عقلا اتباع الطريق المأمون مطلقا/ شك في طريق آخر ام لا، و لا يناسب ان يقال “اذا شككت فابن على اليقين”.

قلت: لعل نكتة تعليق الامر بالمضي على اليقين على فرض الشك، أن الحاجة الى الامر بالمضي على اليقين انما تكون في فرض حصول الشك و التردد، و الوقوف أمام خيارين، فلا يدري أيا منهما يوصله الى الواقع، فيأمره الامام بالمضي على اليقين، فان كان شاكا في كل منهما، فيتوقف عن العمل و ان كان على يقين من ايصال احدهما المعين الى الواقع فيختاره دون الآخر، فيكون المراد من الامر بالبناء على اليقين عند الشك هو اتباع اليقين و الاقتصار على العمل باليقين، فاذا حصل له الشك يحتاط، و لا يبنى على الشك.

و هذا المعنى غير المعنى الاول الذي ذكره الشيخ الاعظم وهو لزوم تحصيل اليقين ببراءة الذمة في الشك في الركعات، حيث كان يورد عليه -مضافا الى عدم قرينة على اختصاص الرواية بالشك في الركعات- بأن ظاهر الامر بالبناء على اليقين أنه اذا وجد اليقين وجب البناء عليه، لا لزوم تحصيل اليقين، وهذا لا يرد على الاحتمال الرابع، فانه بناء عليه يكون تطبيقه على اليقين بالامتثال بلحاظ فعلية الطريق اليقيني للامتثال في قبال الطريقي المشكوك.

و كيف كان فالبناء على اليقين بهذا المعنى الذي ذكرناه و هو المضي على اليقين الفعلي و الاقتصار على المتيقن، قد ورد في كلمات الفقهاء ايضا:

ففي المعتبر: الاقتصار على التسليم المعتاد و ما نطق به القرآن بناء على اليقين فيقتصر عليه([21]).

و في المنتهى: لو نكس فقال: عليكم السّلام، لم يجزئه‌ خلافا للشّافعيّ لأنّه خلاف المنقول و خلاف تحيّة القرآن، و الاقتصار على المنقول و منطوق القرآن بناء على اليقين فيقتصر عليه([22]).

كما ذكر فخر المحققين في ايضاح الفوائد حول كلام العلامة في القواعد “و لو شهد بردّته اثنان فقال كذبا لم يسمع منه و لو قال كنت مكرها فان ظهرت علامة الإكراه كالأسير قبل و الّا ففي القبول نظر أقربه العدم” ما لفظه: أقول: ينشأ النظر من أن الحكم بكفر من ثبت إسلامه أمر خطير لاشتماله على اباحة الدم و غيره فيبنى على اليقين فلا يحكم به مع إمكان النقيض([23]).

الاحتمال الخامس:

أن يراد من البناء على اليقين في الكلمات أنه لو دار أمر شيء مما فعله او وجب عليه بين الاقل و الاكثر، فلا يبنى الا على الاقل لكونه المتيقن، و قد لا تكون نكتته عدم نقض اليقين السابق بعدم تحقق الزائد على المتيقن بالشك اللاحق في تحققه، و لعله لأجل ذلك ذكر المحقق الكركي: لو وجب عليه سجدتا السهو و شك هل أتى بهما أولا وجب أن يسجد، لأصالة العدم، و لو شك هل أتى بهما أو بإحداهما تخير في البناء على اليقين، و البناء على الشك، لقوله لا سهو في سهو([24])، فترى أنه عبّر عن الشك في اتيان اصل سجدتي السهو بأنه يجب أن يسجد لأصالة العدم، و لكن عيّر عن الشك في أنه اتى بواحدة منهما او بهما معا، بأن البناء على الواحدة بناء على اليقين.

و في التذكرة: الإقرار بأحد شيئين لا يستلزم الإقرار بالآخَر‌، و الظرف و المظروف شيئان متغايران، فلا يلزم من الإقرار بأحدهما الإقرار بالآخَر؛ لأنّ الأصل البناء على اليقين، فلا يلزم من الإقرار بالظرف الإقرار بالمظروف، و لا بالعكس([25]).

و لعل البناء على الاقل في الشك في الركعات –سواء كان لاجل ايجاب ضم ركعة أخرى متصلة او منفصلة- و الشك في غيرها من هذا القبيل، و قد تتحد نتيجته فيه مع الاستصحاب.

و لعل من هذا القبيل ما في نهاية الإحكام: لو شك في عدد التكبير، فإن كان لم يقرأ بنى على اليقين، و لو كان قد قرأ أو في الأثناء فالأقرب الاستمرار و عدم الالتفات للانتقال([26]).

و ذكر الشهيد الثاني” الاحتياط فيها -اي في صلاة النافلة- البناء على اليقين، و هو الأقلّ عند الشكّ في عدد الركعات، و المشهور جواز البناء على الأكثر([27]).

و في المبسوط: إذا علم أنه طلق و شك هل طلق واحدة أو ثنتين، بنى على واحدة، لأنه اذا تيقن التطليقة و شك فيما عداها بنى على اليقين… لأن اليقين في الواحدة و الشك في الزيادة، فلهذا أخذنا باليقين، و طرحنا الشك([28]). و فيه ايضا: و إن شك في أعداد التكبيرات -في صلاة العيد- بنى على اليقين احتياطا([29])، و نحوه ما في اصباح الشيعة([30])

نعم بعض الاستعمالات ظاهر في الاستصحاب، كما في المبسوط: اذا اختلف الولي و الجاني، فقال الولي كان حيا حين الضرب و قد قتلته، و قال الجاني ما كان حيا حين الضرب، قال قوم القول قول الجاني، و قال آخرون القول قول الولي، لأنه قد تحققت‌ حياته قبل الضرب و شككنا في وجودها حين الضرب و الأصل الحيوة فوجب أن يبنى على اليقين كمن تيقن الطهر و شك في الحدث أو تيقن الحدث و شك في المطهر فإنه يبنى على اليقين، و لأن الأصل حياته و الجاني يدعي ما لم يكن، و الأول أقوى، و هو أن القول قول الجاني لأن الأصل براءة ذمته([31]).

و ذكر السيد المرتضى في الناصريات: عندنا أن الواجب البناء على الأصل، طهارة كان أو حدثا، فمن شك في الوضوء و هو على يقين من الحدث، وجب عليه الوضوء، و من شك في الحدث و هو على يقين من الوضوء، بنى على الوضوء و كان على طهارته، و هو مذهب الثوري، و الأوزاعي، و ابن حي، و أبي حنيفة و أصحابه، و الشافعي، و قال مالك: ان استولى الشك و كثر منه بنى على اليقين-مثل قولنا- فإن لم يكن كذلك و شك في الحدث بعد يقينه بالوضوء، وجب أن يعيد الوضوء، ثم ذكر عدة اخبار، و قال: كل هذه الأخبار توجب اطراح الشك و البناء على اليقين، فيجب أن يعمل على اليقين و هو الوضوء، و يطرح الشك([32])، و يمكن أن يكون ذلك بيان يقرب من استصحاب عدم الرافع الشرعي، بأن الوضوء مثلا متيقن و طرو الحدث مشكوك فلابد من البناء على اليقين.

و في الخلاف: من تيقن الطهارة و شك في الحدث… قال الحسن ان كان في الصلاة بنى على اليقين، و هو الطهارة، و ان كان خارج الصلاة، بنى على الشك، و أعاد الوضوء احتياطا([33]).

و في المعتبر لو تيقن بنجاسته ثمَّ شك في تطهره بنى على اليقين، لقوله “الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر”

و في التحرير: لو شك في نجاسة متيقّن الطهارة، أو في طهارة متيقّن النجاسة بنى على اليقين([34]).

و نقل في المنتهى عن الشافعي في احد قوليه انه اذا توارد حالتا الطهارة و الحدث فإن كانت الحالة الاسبق عليهما الحدث بنى على الطهارة، لأنّه تيقّن انتقاله عن تلك الحالة إلى الطهارة، و لم يعلم تجدّد الانتقاض، فصار متيقّنا للطهارة، شاكا في رفعها، فيبني على اليقين، و إن كان متطهّرا بنى على الحدث([35]).

و في المنتهى: لو استخلف من لا يدري كم صلّى، فالوجه أنّه يبني على اليقين، فإن وافق الحقّ، و إلّا سبّح القوم به فرجع إليهم، لنا: أنّه شكّ فيمن لا يلحقه حكم الشكّ، فيبني على اليقين([36]).

و من الاستعمالات التي يكون البناء على اليقين بمعنى البناء على الاقل، لكونه المتيقن، و قد لا تكون نكتته الاستصحاب ما في الخلاف: و قال الشافعي: إذا شك في أعداد الركعات أسقط الشك و بنى على اليقين، و بيانه ان شك هل صلى ركعة أو ركعتين جعلها واحدة و أضاف إليها أخرى و استدلوا بما رواه أبو سعيد الخدري ان النبي (صلى الله عليه و آله) قال: إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك و ليبن على اليقين([37]) فاذا استقر التمام سجد‌ سجدتين فان كانت الصلاة تامة كانت الركعة نافلة و السجدتان و ان كانت ناقصة كانت الركعة تماما و كانت السجدتان ترغم الشيطان.

و هذا الخبر لا دلالة فيه لأنا نقول به و هو يوافق ما نقوله لأنه (عليه السلام) لم يقل انه يبني على اليقين من غير ان يسلم و نحن نقول انه يبني على اليقين بمعنى انه يسلم ثم يصلي ما يتيقن معه انه تمام صلاته و لو لا ذلك لما كان ما يصلى بعد الشك يحتسب من النافلة إذا كان قد صلى تاما لأنها صارت زيادة في الصلاة([38]).

و في الانتصار ما انفردت به الإمامية: القول بأن من شك في الركعتين الاخيرتين بنى على الأكثر، فإذا سلم صلى صلاة الاحتياط و باقي الفقهاء يوجبون البناء على اليقين، و هو النقصان، و يوجبون في هذا الموضع سجدتي السهو([39]).

و قال: من شك في الأوليين استأنف الصلاة، و من شك في الأخيرتين بنى على اليقين، هذا مذهبنا و هو الصحيح عندنا، و باقي الفقهاء يخالفونا في ذلك، و لا يفرقون‌ بين الشك في الأولتين و الأخيرتين([40])، و لكن علق عليه في السرائر أنه إن أراد أنه بنى على اليقين بعد سلامه و يصلّي ما تساوت ظنونه فيه و توهمه، فصحيح، و إن أراد وقت شكه و قبل سلامه فهذا خلاف عبارة أصحابنا، لأنّهم يقولون يبني على الأكثر و يسلّم، و لو بنى هاهنا على اليقين، لما سلّم، و لا كان يجوز له التسليم، لأنّ يقينه ثابت في الركعتين الأولتين فحسب، و هو في شك ممّا عداهما، فلو بنى عليهما، لما سلّم و لأتى بما بقي عليه([41]).

نعم قد يقال بان ارادة المعنى الاخير للبناء على اليقين و هو البناء على الاقل الذي هو المتيقن، لا تتناسب مع اطلاق خطاب “اذا شككت فابن على اليقين” من دون نصب قرينة على ارادة فرض دوران الموجود بين الاقل و الاكثر.

بیان النتیجه: عدم دلالة الروایة علی الاستصحاب

و من هنا تبيَّن أن الجزم بظهور الرواية في الاستصحاب و كون الملحوظ في اليقين اليقين بالحالة السابقة، دون البناء على اليقين باحد المعنيين الأخيرين المحتملين مشكل جدا، بل قد يقال أن من خلاف الظاهر عرفا أن يبتدء الامام (عليه السلام) بذكر قاعدة عامة في الاستصحاب بلسان “اذا شككت فابن على اليقين” من دون قرينة على أنه ما هو متعلق اليقين و الشك، و لو بأن يقول اذا كنت على يقين من شيء فشككت فابن على اليقين.

و ما سبق منا (من أن اليقين بالحالة السابقة في الاستصحاب مفروغ عنه عادة، فانه ان لم يعلم بحدوث شيء فحالته السابقة المتيقنه العدم الازلي في الممكنات عادة، -و هذا لا ينافي وجود موارد ليس فيها يقين بالحالة السابقة، كموارد الشك في الاوصاف الذاتية بناء على عدم جريان استصحاب العدم الازلي فيها مطلقا او فيما لو كانت من العناوين الذاتية-) كان الغرض منه اقربية احتمال ارادته بالقياس الى قاعدة اليقين، لا بالنسبة الى ارادة احد المعنيين الأخيرين، فان ارادة البناء على اليقين بالحالة السابقة من دون ذكر متعلق الشك او اليقين غير ظاهرة من الرواية.

و حيث يستغرب ابتداء الامام (عليه السلام) ببيان هذا الكلام من دون نصب قرينة على متعلق الشك و اليقين، فيقوَّى احتمال وجود قرينة تجعل الرواية مختصة بباب الشك في الركعات مثلا، فيقال بأن ذكر هذه الرواية في كتاب من لا يحضره الفقيه في باب الشك في الركعات يمكن ان يكون قرينة عليه، و ما اجيب عنه من أن مجرد ذلك لا يصلح للقرينة، في اختصاص رواية مطلقة بالباب الذي اوردها الاصحاب في ذلك الباب، فيمكن دفعه بأنه يحتمل أن اسحاق بن عمار سمع من الامام (عليه السلام) هذه الرواية في سياق الشك في الركعات، و اكتفى في نصب القرينة على ذلك بايراد الرواية في سياق روايات الشك في الركعات، كما أن من المحتمل تحفظ الصدوق على قرينية السياق بايرادها في سياق تلك الروايات، و بذلك كله تبيَّن الاشكال في الاستدلال بهذه الرواية على الاستصحاب.

 



[1] – اضواء و آراء ج3ص178

[2] – بحوث في علم الاصول ج 6ص ؟؟

[3] – مباحث الاصول ج 5ص135

[4] – مباحث الاصول ج5ص 135 التعليقة

[5] – مباحث الاصول ج5ص 143

[6] – من لا يحضره الفقيه ج 1ص351

[7] – مباحث الاصول ج 5ص 145

[8] – من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 423

[9] – ذكر في المشيخة قبله علي بن بلال و بعده ابو التمير مولى الحارث بن المغيرة النضري و منصور بن حازم و المفضل بن عمر و ابي مريم الانصاري و ابان بن تغلب و … و هذا موافق تقريبا مع الترتيب في روايات الفقيه راجع ج 1 ص 144الى 159 و ج4ص 434

[10] – لا حظ الترتيب في المشيخة الموافق للترتيب في الفقيه بالنسبة الى هؤلاء مع من قبلهم و من بعدهم فنقل في ص 181 عن جراح المدائني ثم عن حفص بن البختري ثم عن صفوان ثم عن البرقي ثم عن زيد ثم عن اسماء ثم عن جويرية ثم عن سليمان بن خالد ثم عن معمر بن يحيى ثم عن عائذ الاحمسي ثم عن مسعدة ثم عن معاوية بن وهب ثم عن مالك الجهني ثم عن عبيد بن زرارة ثم عن الفضيل بن يسار ثم عن بكير بن اعين ثم عن محمد بن يحيى الخثعمي ثم عن اسماعيل بن رباح ثم عن ابي عبد الله الفراء ثم عن الحسين المختار ثم عن عمر بن حنظلة ثم عن خالد القلانسي ثم عن ابي حمزة الثمالي ثم عن عبد الاعلى مولى آل سام ثم عن الاصبغ بن نباتة ثم عن جابر بن عبد الله الانصاري ثم عن صالح بن الحكم ثم عن عامر بن النعيم القمي ص 234، و وافق هذا الترتيب في العمدة في المشيخة راجع المشيخة ص 438 الى 445.

[11] – معجم رجال الحديث ج 12ص301

[12] – كامل الزيارات ص 247 حدثني ابي عن سعد بن عبد الله عن علي بن اسماعيل عن صفوان بن يحيى عن اسحاق بن عمار.

[13] – كتاب نكاح ج 21ص6766، و ج23 ص 7240، اقول المتيقن من روايته عنه في التهذيب “45” موردا تقريبا.

[14] – وسائل الشيعة ج8 ص 215

[15] – وسائل الشيعة ج8 ص 213

[16] – اضواء و آراء ج3ص 179

[17] – دراسات في علم الأصول ج‏4 ص36

[18] – مباحث الاصول ج5ص 147

[19] – بحوث في علم الاصول ج6ص 87

[20] – وسائل الشيعة؛ ج‌4، ص: 283

[21] – المعتبر ج‌2، ص: 237

[22] – منتهى المطلب ج‌5، ص: 206

[23] – إيضاح الفوائد ج‌4 ص 548

[24] – رسائل المحقق الكركي ج‌2 ص 136

[25] – الفقهاء ج‌15 ص 338

[26] – نهاية الإحكام ج‌2 ص 61

[27] – الفوائد الملية لشرح الرسالة النفلية؛ ص: 31

[28] – الخلاف ج4 ص 488

[29] – المبسوط ج‌1 ص 171

[30] – اصباح الشيعة ص 103

[31] – المبسوط ج‌7 ص255

[32] – الناصريات ص 138

[33] – الخلاف ج 1 ص 123

[34] – تحرير الاحكام ج 1ص 53

[35] – منتهى المطلب ج 2ص141

[36] – منتهى المطلب ج‌6، ص: 282

[37] – و ورد في بعض روايات الخاصة التعبير بدل الامر بالبناء على اليقين البناء على النقصان ففي رواية سهل بن اليسع قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى أثلاثا صلى أم اثنتين؟ قال: يبنى على النقصان و يأخذ بالجزم، و يتشهد بعد انصرافه تشهدا خفيفا كذلك في اول الصلاة وآخرها “وسائل الشيعة ج 8ص214، و حملها الشيخ على فرض الظن بالركعة الرابعة، و قد تحمل على التقية، و لكنها قابلة للحمل على نفس الامر بصلاة الاحتياط، فتكون موافقة لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي ابراهيم (عليه السلام) في السهو في الصلاة فقال تبني على اليقين و تاخذ بالجزم و تحتاط بالصلوات كلها وسائل ج 8 ص 213 .

[38] – الخلاف، ج‌1، ص: 445‌

[39] – الانتصار ص 156

[40] – الناصريات ص 149

[41] – السرائر ج‌1 ص 256‌.