فهرست مطالب

فهرست مطالب

تقریرات دروس خارج مدرسه فقهی امام محمد باقر علیه السلام

بسمه تعالی

رؤوس المطالب:

فی تعیین الصلاة الوسطى.. 1

المشهور كونها صلاة الظهر. 1

السيد المرتضى “ره”: انها صلاة العصر. 2

جواز الاتيان بالنافلة جالسا. 3

استدل بعدة روايات.. 4

 

 

 

فی تعیین الصلاة الوسطى

مسألة 3: الظاهر أنّ الصلاة الوسطى التي تتأكد المحافظة عليها هي الظهر فلو نذر أن يأتي بالصلاة الوسطى في المسجد أو في أوّل وقتها مثلًا أتى بالظهر.

اقول: لا تترتب ثمرة عملية على هذه المسألة الا في النذر الذي يوجب ظهور الثمرة لكل بحث، وذلك فيما نذر أن يأتي بما هي الصلاة الوسطى واقعا في المسجد، والا فلو نذر أن يأتي بها قاصدا ما هي الصلاة الوسطى في نظره، او في نظر المشهور لم تترتب هذه الثمرة ايضا، فان النذور تابعة للقصود، نعم لهذا البحث تاثيره في فهم قوله تعالى “حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى”.

المشهور كونها صلاة الظهر

وكيف كان فالمشهور كونها صلاة الظهر في غير يوم الجمعة وصلاة الجمعة في يوم الجمعة، و يستدل للمشهور بروايات: منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: و قال تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطى، و هي صلاة الظهر، ومنها: معتبرة أبي بصير يعني المرادي قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: صلاة الوسطى صلاة الظهر، و هي أوّل صلاة أنزل اللّٰه على نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله)[1]، الى غير ذلك من الروايات.

السيد المرتضى “ره”: انها صلاة العصر

و فسرها السيد المرتضى “ره” بصلاة العصر مدعياً عليه الإجماع، فقال: الصلاة الوسطى عند أهل البيت (عليهم السلام) هي صلاة العصر، و الحجة على ذلك إجماع الشيعة الإمامية على ذلك. و قد روي في رواية ابن مسعود “حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى، صلاة العصر” و سميت صلاة الوسطى لأنها بين صلاتين من صلاة النهار تقدمتا عليها، و صلاتين من صلاة الليل تأخرتا عنها[2].

وما ذكره لعله المشهور بين العامة[3]، ولم نجد قائلا به في علماء الشيعة غيره، وان ورد به بعض الروايات، فروى الصدوق في الفقيه بإسناده عن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: جاء نفر من اليهود إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إلى أن قال: و أما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل آدم فيها من الشجرة … فهي مِن أحب الصلوات إلى اللّٰه عز و جل، و أوصاني أن أحفظها من بين الصلوات[4]، وظاهره الاشارة إلى قوله تعالى “حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطى”، وفي فقه الرضا “سألت العالم فقال:… الصلاة الوسطى العصر[5].

وقد يستدل له ايضا بما ورد في ذيل صحيحة زرارة السابقة حيث قال: و قال تعالى حٰافظوا على الصلوٰات و الصلٰاة الوسطى و هي صلاة الظهر و هي أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله و هي وسط النهار- و وسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة و صلاة العصر و في بعض القراءة حٰافظوا على الصلوٰات و الصلٰاة الوسطى صلاة العصر[6]، ولكن نقل بعض القراءات الظاهرة في كون صلاة العصر بدل بيان للصلاة الوسطى بعد بيان أنها صلاة الظهر في صدر الصحيحة ظاهر في تخطئة هذه القراءة، على ان المنقول في الفقيه وعلل الشرايع “والصلاة الوسطى وصلاة العصر”[7]، وهو الموافق لما في الوافي نقلا عن الكافي[8] ولما عن بعض نسخ التهذيب وما في المنتهى[9]، والعطف بالواو قرينة التقابل بين صلاة العصر والصلاة الوسطى، ومن هنا يظهر أنه لا دافع لاحتمال التصحيف في النسخة التي بايدينا من تفسير القمي في قوله‏ “حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى‏”‏ حيث قال: حدثني أبي عن النضر بن سويد عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قرأ حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى‏ صلاة العصر[10]، نعم هذه القراءة بدون الواو منقولة عن عائشة وحفص، ويوجد نقل آخر عن عائشة وهو أن الآية هكذا “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر[11].

فالمهم رواية الصدوق وفقه الرضا وكلتاهما ضعيفتان سندا.

جواز الاتيان بالنافلة جالسا

مسألة 4: النوافل المرتّبة و غيرها يجوز إتيانها جالساً و لو في حال الاختيار و الأولى حينئذ عدّ كل ركعتين بركعة فيأتي بنافلة الظهر مثلًا ست عشرة ركعة، و هكذا في نافلة العصر، و على هذا يأتي بالوتر مرّتين كل مرّة ركعة.

اقول: أما جواز الاتيان بالنافلة جالسا فلا اشكال فيه، و تدل عليه جملة من النصوص التي منها صحيحة سهل بن اليسع أنه سأل أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرجل يصلي النافلة قاعداً و ليست به علة في سفر أو حضر، فقال: لا بأس، و موثقة حَنان بن سدير عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ تصلي النوافل و أنت قاعد؟ فقال: ما أُصليها إلا و أنا قاعد منذ حملت هذا اللحم و ما بلغت هذا السن[12] و نحوهما غيرهما.

و مقتضى الإطلاق، بل صراحة مثل صحيحة سهل شمول الحكم حتى لحال الاختيار، فلا يتم ما في السرائر حيث قال: و لا بأس أن يصلّي الإنسان النوافل جالسا إذا لم يتمكن من الصلاة قائما فإن تمكن منها قائما و أراد أن يصليها جالسا، لم يكن بذلك أيضا بأس، و جاز ذلك على ما أورده شيخنا في نهايته و هو من أخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا، كما أورد أمثاله إيرادا، لا اعتقادا، و الأولى عندي ترك العمل بهذه الرواية، لأنّها مخالفة لأصول المذهب، لأنّ الصلاة لا تجوز مع الاختيار جالسا، إلا ما خرج بالدليل و الإجماع، سواء كانت نافلة أو فريضة، إلا الوتيرة.

فإن قيل: يجوز عندكم صلاة النافلة على الراحلة مختارا في السفر و في الأمصار، قلنا: ذلك الإجماع منعقد عليه، و هو الذي يصححه، فلا نقيس غيره عليه، لأنّ القياس عندنا باطل، فلا نحمل مسألة على مسألة بغير دليل قاطع، فليلحظ ذلك، إلا أنّه يستحب له، و الحال ما وصفناه، أن يصلّى لكل ركعة ركعتين[13].

فلا ينبغي الاشكال في مشروعية الاتيان بالنافلة جالسا في حال الاختيار، ولو اتى بالنوافل جالسا فالمشهور أنه يستحب له تكرارها لتكون ضعف النافلة عن قيام فيأتي بصلاة الليل اثنين وعشرين ركعة، اي يأتي بعشر صلوات ثنائية وصلاتين ذات ركعة واحدة بعدها،

استدل بعدة روايات

واستدل على ذلك بعدة روايات:

منها: ما رواه الشیخ فی الته‍‍ذیب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن عبد الله بن بحر عن حريز عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يكسل أو يضعف فيصلي التطوع جالسا- قال يضعف ركعتين بركعة.

والسند ضعيف بعبد الله بن بحر لعدم ثبوت وثاقته، نعم قد تطبق على هذه الرواية نظرية تعويض السند، ببيان أن الشيخ الطوسي ذكر في الفهرست طرقا صحيحة الى جميع كتب وروايات حريز، فتنطبق تلك الطرق الصحيحة على هذه الرواية، وتكون تعويضا عن عبد الله بن بحر، وممن اختار هذه النظرية شيخنا الاستاذ “قده” لكنه تردد في ذلك في أواخر حياته، لوجود شواهد من نفس كلمات الشيخ في التهذيب والاستبصار على خلافها، وكذا السيد الصدر في الدورة الاولى من اصوله([14])، وقد حكي عن السيد الخوئي “قده” قبول هذه النظرية في موضعين([15])، لكن الظاهر أنه عدل عنها، لأنه ضعّف سند كثير من الروايات التي يمكن تطبيق هذه النظرية عليها، كحديث الرفع، كما لم‌ يذكرها في مظانّ البحث عنها، ككتاب رجاله.

والظاهر عندنا عدم تمامية هذه النظرية، وذلك لوجهين:

الوجه الاول: ان المتيقن لولا الظاهر من اضافة الروايات الى شخصٍ هو روايات ذلك الشخص واقعا، ولا يشمل كل رواية نسبت الى ذلك الشخص، نظير ما لو قال شخص: ان لي طريقا صحيحا الى جميع كلمات الشيخ الانصاري، فلا يعني ذلك أنه يدعي وجود طريق له الى كل كلام نسب اليه، ولو من قبل اشخاصٍ ضعافٍ، نعم حيث انه لا يحصل القطع عادة للشيخ بانه ليس لحريز مثلاً رواية غير ما وصل اليه بهذا الطريق، فلا يمكنه أن يدعي بأنه وصل اليه جميع روايات حريز بهذا الطريق، فيوجب ذلك تقييد كلامه بحمله على ما نسبه الشيخ اليه في كتبه بأن بدأ به السند.

ان قلت: ان حمل قوله اخبرنا بجميع كتبه ورواياته على خصوص ما كان رواية له في نظر الشيخ، تقييد لهذا الاطلاق بلا مقيِّد، نعم غاية ما تقتضيه القرينة الحالية هو تقييده بالروايات الواصلة الى الشيخ، دون الروايات المنسوبة اليه مما لم‌ تصل الى الشيخ، حيث مر أنه لا يمكن للشيخ عادة ان يحيط بجميع الروايات المنسوبة الى ذلك الشخص.

قلت: قد مرّ أن المتيقن من اضافة الروايات الى شخص هو رواياته واقعا ولو باعتقاد من صدر منه هذا الكلام، فلو روى بسند ضعيف حديثا عنه، فيكون من الشبهة المصداقية لما يراه الشيخ بنفسه أنه من رواياته، فلا يمكن تطبيق تعويض السند عليه.

الوجه الثانی: ان التتبع في موارد استعمال هذه العبارة يوجب القطع بعدم كون المراد منها الإخبار بكون تلك الطرق والاسانيد الى تفاصيل الكتب والروايات، ويشهد على ذلك ما ذكره الشيخ في الفهرست في ترجمة إبراهيم الثقفي، ‌له مصنفات كثيرة، منها… وزاد أحمد بن عبدون في فهرسه كتاب المبتدأ، كتاب أخبار عمر، كتاب أخبار عثمان، كتاب الدار، كتاب الأحداث، كتاب الحروراء، كتاب أسفار والغارات، كتاب السيرة، كتاب أخبار يزيد، كتاب ابن الزبير، كتاب التفسير، كتاب التاريخ، كتاب الرؤيا، كتاب الأشربة الكبير والصغير، كتاب زيد‌ واخباره، أخبرنا بجميع هذه الكتب أحمد بن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير القرشي عن عبد الرحمن بن إبراهيم المستملي عن أبي إسحاق إبراهيم الثقفي([16])، فترى أنه صريح في عدم وصول جميع كتبه اليه، حيث قال: وزاد احمد بن عبدون….

ونحو ذلك ما ذكره في ترجمة أحمد بن محمد بن نوح‌ السيرافي، من أن له تصانيف، غير أن هذه الكتب كانت في المسودة، ولم يوجد منها شي‌ء، وأخبرنا عنه جماعة من أصحابنا بجميع رواياته.

وذكر في ترجمة عيسى بن مهران المعروف بالمستعطف‌: له كتاب الوفاة، وذكر له ابن النديم من الكتب، كتاب مقتل عثمان، وكتاب الفرق بين الآل والأمة، وكتاب المحدثين، وكتاب السنن المشتركة وكتاب الوفاة، وكتاب الكشف، وكتاب الفضائل، وكتاب الديباج، أخبرنا بكتبه أحمد بن عبدون عن أبي الحسن منصور عنه، وله كتاب المهدي.

وذكر في ترجمة محمد بن ابي عمير: له مصنفات كثيرة، وذكر ابن بطة أن له أربعة وتسعين كتابا… أخبرنا بجميع كتبه ورواياته جماعة عن ابن بابويه عن أبيه، ومحمد بن الحسن عن سعد، والحميري عن إبراهيم بن هاشم عنه.

وذكر في ترجمة علي بن الحسن بن فضال: قيل: له ثلاثون كتبا، ثم قال اخبرنا بكتبه ورواياته، مع أن المفروض انه لم‌ يصل اليه جميع كتبه والا لما عبَّر عنها بكلمة “قيل”، ونظير ذلك ما ذكره في ترجمة علي بن الحسن الطاطري‌، من أن له كتبا كثيرة في نصرة مذهبه، وله كتب في الفقه… وقيل إنها أكثر من ثلاثين كتابا، أخبرنا بها كلها أحمد بن عبدون عن أبي الحسن علي بن محمد بن الزبير القرشي عن علي بن الحسن بن فضال، وأبي الملك أحمد بن عمر بن كيسبة النهدي جميعا عنه، وكذا ذكر في ترجمة يونس بن عبد الرحمن من قوله “له كتب كثيرة أكثر من ثلاثين كتابا، وقيل إنها مثل كتب الحسين بن سعيد وزيادة… أخبرنا بجميع كتبه ورواياته…”.

هذا مضافا الى أنه ذكر عدة طرق صحيحة الى جميع كتب يونس بن عبدالرحمن ورواياته، وتشتمل هذه الطرق على محمد بن الحسن بن الوليد ما عدا طريق واحد، وحينئذ فكيف يجتمع أن يكون ابن الوليد وسيطا الى جميع كتب وروايات يونس بعدة طرق: منها ما رواه محمد بن عيسى عن يونس، ومع ذلك يحكي الشيخ عنه في نفس الموضع أن ما تفرد به محمد بن عيسى عن يونس لا يعتمد عليه ولا يفتى به، فانه يعني وجود روايات يتفرد بها محمد بن عيسى عن يونس، ولا يرويها غيره، فكيف ذكر ابن الوليد طرقها الأخرى الى جميع كتب وروايات يونس.

ويشهد على ذلك ايضا وجود عبارة “أخبرنا بجميع كتبه ورواياته” في كتاب الفهرست بالنسبة الى اشخاص كثيرين وباسانيد متعددة، فان الإخبار بتفاصيل تلك الكتب والروايات إما يكون بالسماع منهم او القرائة عليهم او اخذ نسخهم او الاستنساخ منها، وكلّ ذلك غير محتمل عادة، مع كثرة تلك الكتب والروايات، وتعدد الطرق اليها، وكثرة هذه القرائن تكون بحدّ يوجب سلب ظهور هذه العبارة في بيان السند الى تفاصيل نسخ الكتب والروايات، فإما أن تكون هذه العبارة لمجرد التيمن والتبرك، كالاجازات الموجودة في زماننا، وكانوا يرون ذلك كافيا في خروج الحديث عن الارسال الى الاسناد، او أن يكون المراد من قوله “و رواياته” رواياته لكتب الآخرين، فلا يشمل الرواية التي رواها هذا الشخص شفهيا عن مشايخه من دون أن توجد في كتبهم، ولا في كتاب نفسه، والشاهد على ذلك أن هذه العبارة لم تذكر في الفهرست ولا في غيره بالنسبة الى الرواة الذين كانوا لا يروون عن الامام (عليه السلام) عادة الّا مباشرة، كزرارة ومحمد بن مسلم.

يبقى ما ذكره الشيخ في مشيخة التهذيب من كون الغرض من ذكر الطرق والاسناد هو اخراج الروايات عن كونها مرسلة الى كونها مسندة، حيث يقال بأنه لا يتلائم مع كون تلك الطرق لمحض التيمن والتبرك، وهذا لا يختص بمشيخة التهذيب، بل يأتي في الطرق المذكورة في الفهرست، فقد ذكر في آخر المشيخة أني اوردت جُمَلا من الطرق الى هذه المصنفات والاصول، ولتفصيل ذلك شرح يطول هو مذكور في الفهارس المصنفة في هذا الباب للشيوخ “ره” من اراده أخذه من هناك ان شاء الله وقد ذكرنا نحن مستوفى في كتاب فهرست الشيعة والحمد لله رب العالمين([17])، ومقتضي ما مرّ من القرائن القطعية توجيه هذا الكلام بأن نقول انه كان يكفي هذا المقدار عندهم في الخروج عن الارسال.

وبهذين الوجهين ظهر أن الصحيح عدم تمامية نظرية تعويض السند.

ومنها: ما رواه الحسن بن زياد الصيقل قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا صلى الرجل جالسا- و هو يستطيع القيام فليضعف.

وسند الرواية ضعيف بجهالة السن بن زياد.

ومنها: ما رواه صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن المريض إذا كان لا يستطيع القيام- كيف يصلي قال يصلي النافلة و هو جالس و يحسب‌ كل ركعتين بركعة و أما الفريضة- فيحتسب كل ركعة بركعة و هو جالس- إذا كان لا يستطيع القيام.

ورواية صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعفر وان صححها جماعة كالسيد الخوئي “قده” بتقريب أن الشيخ الطوسي ذكر في الفهرست طريقا صحيحا الى كتاب علي بن جعفر ولصاحب الوسائل طريق صحيح الى جملة من الكتب منها كتاب علي بن جعفر، ذكر ذلك في الجزء الآخر من الوسائل، ويصل هذا الطريق الى الشيخ الطوسي، ولكنه مبني على كون طرق صاحب الوسائل الى النسخة التي يرويها، مع أنه ليس كذلك جزما، وانما ذكرت لمجرد التيمن والتبرك.

ولنا على ذلك شواهد، منها: انه كتب على ظهر كتاب النوادر لاحمد‌بن‌محمد‌بن‌عيسى “يروي المصنف عن الحسين‌بن‌سعيد وعن مشائخه أيضا فانهما شريكان في المشائخ ويروي أيضا عن ابيه كثيرا، وهو ينافي ظن من ظن انه من كتب الحسين‌بن‌سعيد اذ ليس له فيه رواية أصلا، واعلم اني قد وجدت لهذا الكتاب نسختين صحيحتين عليهما آثار الصحة والاعتماد، ثم اني تتبعت ما فيه من الأحاديث فوجدت أكثرها منقولة في الكتب الاربعة وامثالها من الكتب المشهورة المتواترة والباقي قد روي في الكتب المعتمدة ما يوافق مضمونه فلاوجه للتوقف فيه، وقد رأيت احاديث كثيرة نقلها الشيخ والشهيد وابن طاووس والحميري والطبرسي وغيرهم في مصنفاتهم من نوادر احمد‌بن‌محمد‌بن‌عيسى وتلك الأحاديث موجودة هنا، وبالجملة القرائن على اعتباره كثيرة وليس فيه ما ينكر ولاما يخالف الأحاديث المروية في الكتب الاربعة ونحوها والله اعلم” وكتب في الصفحة الاخيرة منه: “هذا ما وجدناه من كتاب نوادر احمد‌بن‌محمد‌بن‌عيسى قدّس سرّه- في نسخة معتبرة نفع الله بها قوبل بنسختين صحيحتين عليهما خطوط جماعة من الفضلاء ([18]) وهذا التعبير لايناسب ان يكون له طريق الى هذا الكتاب بواسطة المشايخ، مع ان هذا الكتاب من جملة الكتب التي ذكر طرقه اليها في خاتمة الوسائل.

ومنها: انه ذكر في الوسائل “ان مصنفات الصدوق واكثر الكتب التي ذكرناها ونقلنا منها، معلومة النسبة الى مؤلفيها بالتواتر، والباقي منها عُلم بالاخبار المحفوفة بالقرائن وذكرها علماء الرجال واعتمد على نقلها العلماء الاعلام ووجدت بخطوط ثقات الافاضل ورأينا على نسخها خطوط علماءنا المتاخرين وجمع من المتقدمين بحيث لامجال للشك في صحتها والثبوت لمؤلفيها”([19]) فترى ان هذا الكلام لايناسب ثبوت طريق له على تفاصيل تلك الكتب فضلا عن نسخها.

وعلى ما ذكرناه فلابد من كون الكتاب الذي يروي عنه صاحب الوسائل من الكتب المشهورة حتى يعتمد على نقله باعتبار كونه نسخة من نسخ الكتاب، فمع احتمال اختلاف النسخ لابد من الفحص عن سائر النسخ، وكتاب علي بن جعفر لم يكن من الكتب المشهورة في زمان صاحب الوسائل كزماننا هذا.

ومنها: ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل صلى نافلة و هو جالس من غير علة كيف تحسب صلاته قال ركعتين بركعة[20].

وسند الرواية مشتمل على عبدالله بن الحسن الذي لم يوثق، على أن متنها مختلف عن متن كتاب علي بن جعفر حيث ورد فيه “من غير علة” وفي كتاب علي بن جعفر “اذا كان لا يستطيع القيام” والنسخة الموجودة من قرب الاسناد ينتهي الى ما كتبه ابن ادريس الحلي وهو يصرح بأن الاصل الذي كتب نسخته منه كانت مغلوطة، فقد ذكر المجلسي “ره” في البحار أنه كان قرب الاسناد من الاصول المعتبرة المشهورة، وكتبناه من نسخة قديمة مأخوذة من خط شيخنا محمد بن ادريس، و كان عليها صورة خطه هكذا: الاصل الذي نقلته منه كان فيه لحن صريح و كلام مضطرب، فصوّرته على ما وجدته خوفا من التغيير و التبديل[21]، فالاعتماد مشكل.

وأما رواية العلل و عيون الأخبار بأسانيده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: صلاة القاعد على نصف صلاة القائم[22]، فهي لا تدل على استحباب التضعيف، بل لعل المقصود منها كون الصلاة جالسا نصف الصلاة قائما في الفضيلة والثواب.

وورد في قبال ذلك رواية علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له إنا نتحدث نقول من صلى و هو جالس- من غير علة كانت صلاته ركعتين بركعة و سجدتين بسجدة، ‌فقال ليس هو هكذا هي تامة لكم[23]،

وقد جمع العلامة في التذكرة بينها وبين بقية الروايات، فقال: لا بأس بالجمع باحتساب ركعة بركعة مع التعذر، و ركعتين بركعة لا معه[24]، ولكنه منافٍ لما في هذه الرواية من قوله “من غير علة” وما في رواية علي بن جعفر من قوله “لا يستطيع القيام: يحسب كل ركعتين بركعة” وذكر السيد الداماد “قده” أن من المحتمل أن يراد بالركعة فيه هو الركوع، كما يؤيّده ذكر السجدة بعدها، إذ لا وجه لذكر الأجزاء بعد ذكر الكلّ، و حينئذ فلا شاهد فيه على المطلوب، إذ لعلّ عدّ ركوعين بركوع و هكذا كان في نظر الأصحاب بأن يركع في ركعة واحدة بعد القراءة ركوعين و يسجد بعد هما أربع سجدات، أو بأن يسلّم في الركعة الرابعة، فأجاب عليه السّلام بأنها تامة لكم يؤتى بها كسائر الصلوات، و لا ينافيه احتساب ركعتين بركعة[25]، وما ذكره خلاف ظاهر قوله “فهي تامة لكم”.

والصحيح ما ذكره الشهيد في الذكرى من أن سائر الروايات تحمل على الاستحباب وهذه الرواية على الجواز[26].

وبذلك ترفع المعارضة حتى على تقدير تمامية سند رواية علي بن ابي حمزة، لكن المهم أن ادلة استحباب التضعيف لا تخلو عن ضعف سندي، ولعله لأجل ذلك استشكل بعض السادة الاعلام “دام ظله” في فتوى صاحب العروة باستحباب عد كل ركعتين بركعة، فقال فيه تأمل، والاحوط الاتيان بها رجاء في المرة الثانية سواء المختار وغيره[27].

وان كان لا يبعد حصول الوثوق بصدور بعض روايات استحباب عد كل ركعتين من النافلة جالسا بركعة قائما، بسبب كثرة تلك الروايات.

ثم انه كما صرّح صاحب العروة في فصل جميع الصلوات المندوبة يجوز في النوافل إتيان ركعة قائماً و ركعة جالساً، بل يجوز إتيان بعض الركعة جالساً و بعضها قائماً[28]، وذلك لاطلاق الادلة عرفا.

كما صرح بأنه يجوز اتيان النوافل ماشياً و راكباً، و في المحمل و السفينة، والمستند في ذلك عدة روايات:

منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي النوافل في الأمصار و هو على دابته حيث ما توجهت به قال لا بأس[29].

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام) صل صلاة الليل و الوتر و الركعتين في المحمل[30].

ومنها: صحيحة الحلبي أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة النافلة على البعير و الدابة فقال نعم- حيث كان متوجها و كذلك فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله)[31].

ومنها: معتبرة حماد بن عثمان عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) في الرجل يصلي النافلة- و هو على دابته في الأمصار قال لا بأس[32].

ومنها” صحيحة يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي على راحلته- قال يومئ إيماء- يجعل السجود أخفض من الركوع[33].

ومنها: صحيحته الأخرى قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفر و أنا أمشي- قال أوم إيماء و اجعل السجود أخفض من الركوع[34].

ومن الواضح ان هذه الروايات لا تشمل من كان مشيه في داخل بيته مثلا لغرض الصلاة ايماء، نعم لا يبعد أن يشمله اطلاق ما رواه المحقق في المعتبر عن كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلي و هو يمشي تطوعا‌ قال نعم[35]، وسند المحقق الى كتاب ابن ابي نصر البزنطي مجهول نظير ما ذكر في مستطرفات السرائر، وان كان لا يبعد اعتبار جميع ذلك، كما مر منّا مرارا.

هذا وقد ذكر صاحب العروة أن في جواز إتيان النوافل نائماً مستلقياً أو مضطجعاً في حال الاختيار إشكالا[36]، بل قد ذكر جماعة منهم المحقق النائيني “قده” في تعليقته على العروة أن الاقوى عدم الجواز، نعم اختار فخر المحققين “ره” في ايضاح الفوائد الجواز[37] وقال الشهيد الثاني “ره” في المسالك أنه ليس ببعيد[38]، وذكر السيد الامام “قده” في تعليقته على العروة أن الجواز لا يخلو من وجه، والانصاف أن اشكال صاحب العروة في محله، فان مقتضى اطلاق شرطية القبلة كقوله “لا صلاة الا الى القبلة” واطلاق جزئية الركوع والسجود الظاهرين في غير الايمائي، هو عدم مشروعية الصلاة مضطجعا ومستلقيا في حال الاختيار.

هذا وقد ذكر في المسالك أنه بناء على جواز الصلاة مضطجعا ومستلقيا، فكما يحتسب الجالس‌ ركعتين بركعة قائما يحتسب المضطجع على الأيمن أربعا بركعة و على الأيسر ثمان و المستلقي ستة عشر[39]، وهذا وان كان مما يساعده الاعتبار في الجملة، لكنه فاقد للدليل.

 

 



[1] – وسائل الشيعة ج4ص 22

[2] – رسائل الشريف المرتضى ج 1ص 275.

[3] – المغني لابن قدامة ج1ص 421

[4] – من لا يحضره الفقيه ج1 ص 212

[5] – فقه الرضا ص 145

[6] – وسائل الشيعة ج4ص 11

[7] – من لا يحضره الفقيه ج1ص 196علل الشرايع ج2ص 355معاني الاخبار ص 331

[8] – الوافي ج7ص 36

[9] – منتهى المطلب ج4ص 159

[10] – تفسير القمي ج1ص 80

[11] – معاني الاخبار ص 331

[12] – وسائل الشيعة ج5ص 451

[13] – السرائر ص 309

[14] – مباحث الاصول ج3ص242

[15] – موسوعة الإمام الخوئي ج‌2 ص 388و ج 9ص282

[16] – الفهرست ص 14

[17] – تهذيب الاحكام ج10المشيخة ص88

[18]كتاب النوادر لأحمد‌بن‌محمد‌بن‌عيسى طبعة مؤسسة الإمام المهدي عليه‌السلام ص13، صورة نسخة مكتبة السيد الحكيم قده العامة وعليها خط صاحب الوسائل.

[19]وسائل الشيعة ج30ص217ومثله ما في ص153

[20] – وسائل الشيعة ج 5ص 493

[21] – بحار الأنوار ج 1ص 26

[22] – وسائل الشيعة ج 5ص 493

[23] – وسائل الشيعة؛ ج‌5، ص: 492

[24] – تذكرة الفقهاء ج2ص 295

[25] – كتاب الصلاة ج1ص 50

[26] – ذكرى الشيعة ج2ص 307

[27] – العروة الوثقى ج 2ص 10

[28] – العروة الوثقى المحشى ج‌3 ص 411

[29] – وسائل الشيعة ج4ص 329

[30] – وسائل الشيعة ج4ص 329

[31] – وسائل الشيعة ج4ص 330

[32] – وسائل الشيعة ج4ص 330

[33] – وسائل الشيعة ج4ص 332

[34] – وسائل الشيعة ج4ص 335

[35] – وسائل الشيعة؛ ج‌4، ص: 335

[36] – العروة الوثقى ج 3ص 411

[37] – ايضاح الفوائد ج1ص100

[38] – مسالك الأفهام ج‌1، ص: 281

[39] – مسالك الأفهام ج‌1، ص: 281