فهرست مطالب

فهرست مطالب


تقریرات دروس خارج مدرسه فقهی امام محمد باقر علیه السلام

 

 

الاقوال فی الاستصحاب.. 2

التفصيل بين استصحاب الاحكام التكليفية والاحكام الوضعية. 2

القسم الثالث من الاحكام الوضعية. 2

بحث فی امکان جعله استقلالا. 2

شبهه: بدون جعل الاحكام التكليفية، لا يترتب عليه اثر، ومع جعلها فيتنزع العرف منها الحكم الوضعي.. 3

بعض الاعلام: الملكية و الزوجية من المجعولات العقلائیه و الشارع أمضى اعتبارهم. 3

السيد الخوئي: الملكية لیست منتزعة من جواز التصرف اذ النسبة بين الملكية و جواز تصرف هي العموم من وجه. 4

المختار فی حقيقة الاحكام الوضعية. 8

حكم جريان الاستصحاب في الاحكام الوضعية وعدمه. 8

الفاضل التوني: عدم جريان الاستصحاب في الحكم الوضعي لعدم كونه مجعولا شرعا 8

المحقق الايرواني: عدم جریان الاستصحاب فی الحكم الوضعي لانه لايتعلق بها الجعل الاستقلالي.. 9

البحث فی جريان الاستصحاب فی القسم الاول من الاحكام الوضعية. 9

الصورة الاولى من القسم الاول: الشك في سببية شيء للتكليف9

الصورة الثانیه من القسم الاول: الشك في حدوث شرطية شيء للتكليف13

الصورة الثالثة من القسم الاول: الشك في بقاء شرطية شرط التكليف15

الصورة الرابعة من القسم الاول: الشك في حدوث مانعية شيء عن التكليف16

الصورة الخامسة من القسم الاول: الشك في بقاء المانعية. 17

البحث فی جريان الاستصحاب فی القسم الثانی من الاحكام الوضعية. 18

المورد الاول من القسم الثاني: أن یعلم بانتفاء التكليف فعلا بالمركب التام. 19

المورد الاول من القسم الثاني: أن يحتمل بقاء التكليف بالمركب التام. 19

البحث فی جريان الاستصحاب فی القسم الثالث من الاحكام الوضعية. 20

ثمرات جریان الاستصحاب علی فرض انتزاعها من الاحكام التكليفية. 21

التفصیل بین ان یکون الحکم الظاهری مجعولا مستقلا او کان من الاعتبارات الادبية. 22

أن الاستصحاب يجري في الحكم ولا يجري في مفاد الخطاب الذي قد يكون من الاستعارات والكنايات.. 23

مفاد قاعدة الطهارة 23

استصحاب الامور الانتزاعية. 25

المختار: عدم تمامية التفصيل في جريان الاستصحاب بين الاحكام الوضعية والتكليفية. 25

الاشكال السيد الامام ره حول استصحاب الحجية. 25

مناقشه: لا مانع من استصحاب الحجية الانشائية الشرعية. 26

 

موضوع: اقوال /استصحاب /اصول

 

 

الاقوال فی الاستصحاب

التفصيل بين استصحاب الاحكام التكليفية والاحكام الوضعية

القسم الثالث من الاحكام الوضعية

وأما القسم الثالث وهو كل حكم وضعي لا يكون من القسم الاول او الثاني

بحث فی امکان جعله استقلالا

فقد اختار الشيخ الاعظم “قده” امتناع جعله استقلالا، وانما يكون مجعولا بالانتزاع بتبع جعل الاحكام التكليفية المتناسبة له، بينما أن صاحب الكفاية اختار امكان جعله استقلالا، بل ذكر أنه الظاهر من الأدلة، ووافقه عليه كثير من الاعلام.

والانصاف أن ما ذكره موافق للارتكاز العرفي وظاهر الادلة، مثل قوله تعالى “فلابويه لكل واحد منهما السدس” وقوله (عليه السلام) فاذا قالت نعم فهي زوجتك” و قوله “اني جعلته عليكم قاضيا” والمستفاد من قوله “الناس مسلطون على أموالهم” أن جواز التصرف من آثار الملكية، كما أن المستفاد من قوله (عليه السلام) “لا يحل مال امرء إلا بطيبة نفسه” أن حرمة التصرف من آثار ملكية الغير، لا أن ملكية الشخص منتزعة من جواز تصرف، وحرمة تصرف غيره، وهكذا جواز الاستمتاع من آثار الزوجية ومتفرع عليها، لا أن الزوجية منتزعة من جواز الاستمتاع له، أو عدم جواز الاستمتاع للغير.

شبهه: بدون جعل الاحكام التكليفية، لا يترتب عليه اثر، ومع جعلها فيتنزع العرف منها الحكم الوضعي

وقد يستشكل على ذلك بدعوى لغوية جعل الحكم الوضعي، حيث انه بدون جعل الاحكام التكليفية، لا يترتب عليه اثر، ومع جعلها فيتنزع العرف منها الحكم الوضعي ولا حاجة الى جعله الاستقلالي، نعم لا مانع من التعبير في مقام الاثبات بوجود الحكم الوضعي لتسهيل فهم الاحكام والقوانين، ولكن المدعى لغوية جعله في مقام الثبوت.

بعض الاعلام: الملكية و الزوجية من المجعولات العقلائیه و الشارع أمضى اعتبارهم

وقد اعترف بعض الاعلام “قده” بتمامية هذا الاشكال، وانما تخلص منه ببيان أن الملكية و الزوجية و نحوهما ليست من المجعولات الشرعية التأسيسية، بل هي من المجعولات الإمضائية، بمعنى أنها مجعولة لدى العقلاء و الشارع أمضى اعتبارهم، و من الواضح انه ليس لدى العقلاء أحكام تكليفية من وجوب و تحريم، بل ليس لديهم الا الحكم بالحسن و القبح، و هما يتفرعان على الظلم و عدمه، و الظلم لديهم هو التعدي عن الحقوق الثابتة لديهم، و عليه فقبح التصرف بالمال لديهم يتفرع على أن يكون التصرف تعديا عن الحق، وهذا يتوقف على اعتبار ملكية المتصرف، فاعتبارهم للملكية لأجل تحقيق موضوع التحسين و التقبيح، هذا شأن العقلاء.

و أما الشارع فهو قد أقر العقلاء على اعتبارهم الملكية و ليس لديه جعل جديد، و رتب على ذلك أحكاما تكليفية من وجوب و حرمة و غيرهما نسبتها إلى الملكية نسبة الحسن و القبح اللذين يحكم بهما العقلاء، فالملكية العقلائية التي أقرها الشارع هي موضوع أحكامه التكليفية و دخيلة في تحققها، و في مثل ذلك لا محذور من لغوية أو غيرها، فلا مانع من الالتزام بمجعولية مثل الملكية بعد ان كان مقام الإثبات يساعد عليه([1]).

مناقشه

وفيه أن الجواز او المنع او اللزوم القانوني موجود لدى العقلاء، على أن المهم أن اعتبار الحكم الوضعي في موارده كاعتبار ملكية الولد لمال ابيه بعد وفاته، مع جعل الملكية بشكل عام موضوعا لاحكام تكليفية يوجب سهولة فهم الناس للقانون، وتنظيم سلوكهم وفقه، فلا يكون لغوا، حتى لو كان تأسيسا من الشارع.

السيد الخوئي: الملكية لیست منتزعة من جواز التصرف اذ النسبة بين الملكية و جواز تصرف هي العموم من وجه

هذا وقد اورد السيد الخوئي “قده” على ما ذكره الشيخ الاعظم “قده” من انتزاع ملكية الشخص عن جواز تصرفه وعدم جواز تصرف غيره بدون اذنه، أنه لا تلازم بين الملكية و جواز التصرف، و لا بينها و عدم جواز تصرف الغير، فان النسبة بين الملكية و جواز التصرف هي العموم من وجه، إذ قد يكون الشخص مالكا و لا يجوز له التصرف كالسفيه و العبد، على القول بملكه، و كذا في العين المرهونة، و قد يجوز التصرف له مع عدم كونه مالكا كما في المباحات الأصلية، و كذا النسبة بين الملكية و عدم جواز تصرف الغير أيضا هي العموم من وجه، فقد يكون الشخص مالكا لشي‏ء و يجوز لغيره التصرف فيه، كما في حق المارة و الأكل عند المخمصة، و قد لا يجوز للغير التصرف مع عدم كون هذا الشخص مالكا كما في العين المرهونة، فانه لا يجوز التصرف فيها للراهن مع عدم كونها ملكا للمرتهن، فكيف يمكن القول بأن الملكية منتزعة من جواز التصرف أو من عدم جواز تصرف الغير([2]).

مناقشه

اقول: ان اراد أن يجعل ذلك منبها للوجدان العرفي فهو، والا فقد يقال بأن ما انتزع منه الملكية هو الحكم بجواز التصرف على تقدير البلوغ والرشد وعدم حالة الرهن، وحرمة تصرف الغير بدون اذنه في غير حالات الاستثناء كاكل المارة او الضرورة، فانه لا مانع عرفا من انتزاع الملكية من ثبوت هذه الاحكام المشروطة واللولائية، -فانه انتزاع عرفي وعقلائي وليس انتزاعا تكوينيا حتى يمنع من انتزاع امر فعلي عن امر اقتضائي وشأني كانتزاع الفوقية الفعلية عن الفوق الشأني- بل ثبت في مورد الصبي والسفيه حكم فعلي وهو جواز تصرف الولي في مالهما مع رعاية مصلحتهما، وحرمة تصرف الغير فيه بدون اذن الولي مع رعاية مصلحتهما.

فرض في توجيه كلام الشيخ الاعظم: تأخر مرحلة الحكم الوضعي عن مرحلة الاحكام التكليفية

هذا وقد ذكر بعض السادة الاعلام “دام ظله” في توجيه كلام الشيخ الاعظم أنه يمكن أن يكون مقصوده تأخر مرحلة الحكم الوضعي عن مرحلة الاحكام التكليفية، ولمزيد التوضيح يمكن تصوير مراحل اربع للاحكام القانونية:

مراحل اربع للاحكام القانونية

1- مرحلة الوعد والوعيد، 2- مرحلة الاحكام التكليفية وهي الوجوب والحرمة، 3- مرحلة الاحكام الوضعية، 4- مرحلة الماهيات الجعلية كالبيع والاجارة.

فكل مرحلة متأخرة، عند انتفاء المرحلة السابقة عليها تكون لغوا، فاذا فرضنا الوجوب والحرمة ولم يكن وعد ووعيد يكون الوجوب او الحرمة لغوا، اذ حقيقة الوجوب والحرمة جعل الملازمة بين الفعل والترك وبين الثواب والعقاب، كما أنه اذا فرضت الاحكام الوضعية كالملكية ولم يترتب عليها وجوب او حرمة تكون الملكية لغوا، وكذا اذا فرضت ماهية جعلية كالعقد فان لم يكن لها احكام وضعية فتكون لغوا.

فالاحكام الوضعية اعتبارات قانونية، وليست مجرد اعتبارات ادبية، اي مجرد استعمال على نحو الكناية والاستعارة، والفرق أن الاعتبار الادبي هو اعطاء حد شيء لشيء آخر، كاعطاء حد الاسد لزيد، بغرض ايجاد الاثر الاحساسي للاسد فيه، بينما أن الاعتبار القانوني هو الاعتبار الادبي، مع زيادة شيء، و هو تطابق الارادة الجدية مع الارادة الاستعمالية، فاذا حكم بالزوجية او الملكية يرى المقنن وأتباعه أن ما حكم به مطابق للواقع، والثمرة بينهما عدم جريان الاصول كالاستصحاب في الاعتبارات الادبية بخلاف الاعتبارات القانونية.

والاحكام الوضعية تستبطن عدة من الاحكام التكليفية التي تكون كالمقوم لها ويوجد ارتباط ذاتي بينها وبين تلك الاحكام الوضعية، فالملكية مثلا معيِّنة لنوع من الحكم التكليفي، وهو حرمة تصرف الغير بدون اذنه، دون وجوبه او استحبابه او كراهته، اذ الملكية مندمج فيها عدم جواز تصرف الغير من دون اذن المالك، وان هذا مختص به، وكذا الزوجية تجرّ نوعا خاصا من الاحكام التكليفية.

ومن ذلك يظهر أن ما ذكره الشيخ “ره” من أن المشهور كون مرجع الخطاب الوضعي الى الحكم التكليفي صحيح بالمعنى الذي ذكرناها، والظاهر أن القدماء والشيخ كان في ذهنهم ما ذكرنا من أن الملكية والزوجية وامثالهما في مرحلة حدوثها كانت منتزعة من الاحكام التكليفية، ثم تحولت الى جعول استقلالية، وهذا يعني أن مجموعة من الاحكام التكليفية تتحول الى مرحلة الحكم الوضعي، فالحكم الوضعي اجمال لتلك الاحكام، وليس مرادهم أنه لا يحق لأحد اعتبار الحكم الوضعي، وبهذا يمكن التصالح بين الشيخ “ره” وصاحب الكفاية([3]).

مناقشه

اقول: لا اشكال في كون الغرض من الحكم الوضعي التطرق به الى احكام تكليفية متناسبة معها، لكن لا يعني ذلك لغوية شمول جعله بنحو الخطابات القانونية لموارد اتفق فيها انتفاء الاثر التكليفي كنجاسة عين النجاسة الموجودة في مكان لا تكون محل ابتلاء المكلفين ابدا.

وأما ما ذكره من كون جعل الاحكام التكليفية المتناسبة مع الحكم الوضعي سابقا تاريخيا على جعل الحكم الوضعي، بأن يكون الجواز التشريعي لاستمتاع الرجل بامرأة والمنع كذلك من استمتاع غبره منها سابقا على اعتبار الزوجية مثلا فهذا مما يصعب العلم به.

وأما ما ذكره حول الماهيات الجعلية ولغوية اعتبارها في مورد لا يترتب عليه اثر، فأصل وجود معتبر شرعي زائدا على الاحكام التكليفية والوضعية مبني على ما ذكره جماعة من أن المجعولات الشرعية ثلاثة: الأحكام التكليفية، و الأحكام الوضعيّة، و الماهيات المخترعة، كالصوم و الصلاة، فقد قال الشهيد “ره” الماهيات الجعلية كالصوم و الصلاة لا يطلق على الفاسد إلا الحج لوجوب المضي فيه([4])” ونقل عن المحقق النائيني “قده” موافقته معه، ولكن كما ذكر السيد الخوئي “قده” أن معنى جعل الماهية على ما ذكروه هو تصور أمور متعددة مجتمعة و منضماً بعضها مع بعض، ثم الأمر بها بعنوان أنها شي‏ء واحد، و مرجع هذا المعنى إلى تصور أمور متعددة، كالتكبير و القيام و القراءة مثلا بتصور واحد. ثم الأمر بها([5])، والاول مجرد تصور وتسمية، والثاني حكم شرعي تكليفي وقد يكون وضعيا.

المختار فی حقيقة الاحكام الوضعية

هذا كله في حقيقة الاحكام الوضعية، وقد تبين كونها انتزاعية في القسمين الاولين وكونها مجعولة بجعل مستقل في الثالث، حسب الظاهر من الادلة، وان امكن عدم جعلها استقلالا، وصحة انتزاعها عن الاحكام التكليفية.

حكم جريان الاستصحاب في الاحكام الوضعية وعدمه

الفاضل التوني: عدم جريان الاستصحاب في الحكم الوضعي لعدم كونه مجعولا شرعا

مر سابقا أنه نقل المحقق العراقي “ره” عن الفاضل التوني “ره” أنه انكر جريان الاستصحاب في الحكم الوضعي لعدم كونه مجعولا شرعا، ثم اورد عليه بأنا لا نحتاج في الاستصحاب إلى أكثر من أن يكون أمر وضعها و رفعها بيد الشارع، و الأحكام الوضعية حتى إذا كانت انتزاعية فأمر وضعها و رفعها بيد الشارع و لو بواسطة منشأ انتزاعها([6]).

و فيه أن مجرد كون امر وضعها ورفعها بيد الشارع لا يكفي في جريان الاستصحاب، بل لابد من انتهاء استصحابها الى اثر عملي، من التنجيز او التعذير، فما لم يكن الحكم الوضعي موضوعا للاحكام التكليفية، بل كان منتزعا منها فيكون اثباتها باستصحابه من الاصل المثبت، ولو كان موضوعا لها او لحكم العقل بالتنجيز والتعذير جرى استصحابه ولو لم يكن وجوده الواقعي تحت اختيار الشارع بما هو شارع، ولذا يجري الاستصحاب في مقام الامتثال.

المحقق الايرواني: عدم جریان الاستصحاب فی الحكم الوضعي لانه لايتعلق بها الجعل الاستقلالي

هذا وقد استدل المحقق الايرواني “قده” على انكاره لجريان الاستصحاب في الاحكام الوضعية بأنها حيث لا يتعلق بها الجعل الاستقلالي فلا يجري فيها الاستصحاب حيث ان نتيجة الاستصحاب هو جعلها الاستقلالي([7])، وهذا غريب، لأن النهي عن نقض اليقين عملا بالشك بل التعبد الظاهري بالمتيقن لايتوقف على كون وجوده الواقعي قابلا للجعل الشرعي فضلا عن كونه قابلا للجعل الشرعي الاستقلالي، كما تبين وجهه آنفا.

وكيف كان فلابد في البحث عن جريان الاستصحاب في الاحكام الوضعية من ملاحظة اقسامها الثلاثة.

البحث فی جريان الاستصحاب فی القسم الاول من الاحكام الوضعية

أما القسم الاول فله خمس صور:

الصورة الاولى من القسم الاول: الشك في سببية شيء للتكليف

الصورة الاولى: الشك في سببية شيء للتكليف

کلام السيد الخوئي

فقد ذكر السيد الخوئي “قده” أنه -بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية- لا مانع من جريان استصحاب السببية، الا أن جريان الاستصحاب في منشأ انتزاعها اي التكليف حاكم عليه([8]).

اقول: يوجد لهذه الصورة ثلاثة فروض:

الفرض الاول من الصورة الاولی: أن يشك في حدوث سببية شيء للتكليف

الفرض الاول: أن يشك في حدوث سببية شيء للتكليف، كما لو شك في سببية الاستطاعة لوجوب العمرة المفردة، فجريان استصحاب عدم سببية الاستطاعة لوجوب العمرة موافق مع ما هو جارٍ قطعا، وهو استصحاب عدم وجوب العمرة على المكلف بعد استطاعته لها.

الفرض الثاني من الصورة الاولی: أن يشك في بقاء السببية لأجل الشك في نسخ الجعل

الفرض الثاني: أن يشك في بقاء السببية لأجل الشك في نسخ الجعل، كما لو شك في بقاء سببية الاستطاعة لوجوب الحج، وكان منشأ الشك الشك في النسخ، فيستصحب بقاء الجعل ويكون موافقا مع استصحاب بقاء السببية، فالبحث عن جريان الاستصحاب في السببية في هذين الفرضين ليس بمهم.

الفرض الثالث من الصورة الاولی: أن يكون الاستصحاب الجاري في السببية مخالفا مع الاستصحاب الجاري في المجعول

الفرض الثالث: أن يكون الاستصحاب الجاري في السببية مخالفا مع الاستصحاب الجاري في المجعول، كما لو شك في بقاء سببية الاستطاعة لوجوب الحج، وكان منشأ الشك تبدل حالات المكلف، كما لو استطاع المكلف للحج بعد شيخوخته، فيقال بأن سببية الاستطاعة لوجوب الحج في حقه كانت ثابتة قبل شيخوخته، فنستصحب بقاءها الى ما بعد شيخوخته، ولكن مقتضى الاستصحاب الجاري في المجعول عدم وجوب الحج عليه بعد ما صار مستطيعا حال شيخوخته.

مناقشه فی کلام السید الخویی

فان كان نظر السيد الخوئي الى هذا الفرض الأخير ففيه اولا: ان ما ذكره من حكومة الاستصحاب الجاري في التكليف على الاستصحاب الجاري في السببية لكون الاول منشأ انتزاع الثاني، يرد عليه أن منشأ انتزاع السببية لما کان هو الجعل دون المجعول، كما اتضح سابقا، فليس الاصل الجاري لنفي المجعول اي الوجوب الفعلي للحج حاكما على استصحاب سببية الاستطاعة لوجوب الحج.

وثانيا: ان ملاك حكومة استصحاب على استصحاب آخر بنظره هو كون الاول اصلا موضوعيا بالنسبة الى الثاني، وهذا لا ينطبق على حكومة الاصل الجاري في منشأ الانتزاع على الاصل الجاري في الامر الانتزاعي، لعدم كون النسبة بينهما نسبة الموضوع والحكم.

وثالثا: ان السببية بعد ما لم تكن مجعولة شرعا وانما هي منتزعة عن جعل وجوب الحج مثلا عند الاستطاعة، فيكون قضية انتزاعية عقلية واثبات التكليف الفعلي باستصحابها يكون من الاصل المثبت، فيكون نظير انتزاع قضية عقلية من قوله “العنب المغلي حرام” هي أن هذا العنب لو انضم اليه الغليان حرم، فان استصحابها بالنسبة الى ما لو صار العنب زبيبا لاثبات الحرمة الفعلية له بعد غليانه يكون من الاصل المثبت كما سيأتي توضيحه في بحث الاستصحاب التعليقي.

هذا وقد كان يخطر بالبال اشكال رابع، وهو أن سببية الاستطاعة الحاصلة بعد الشيخوخة لوجوب الحج مشكوكة من الاول، وما هو معلوم انما هو سببية الاستطاعة الحاصلة قبل الشيخوخة، فانه ان جعل الشارع وجوب الحج على المستطيع الشاب، فلا ينتزع منه سببية الاستطاعة مطلقا لوجوب الحج، وانما تكون جزء السبب، وتمام السبب هو الاستطاعة حال الشباب، الا أن يجرى فيها الاستصحاب التعليقي، فيقال هذه الاستطاعة لو حصلت قبل الشيخوخة كانت سببا لوجوب الحج، ولكن اثبات سببية الاستطاعة الحاصلة بعد الشيخوخة به يكون من اوضح انحاء الاصل المثبت، ولا يقاس بالاستصحاب الجاري في الحكم التعليقي، كما لو قال الشارع “العنب يحرم اذا غلا” بل لا يقاس باجراء الاستصحاب التعليقي في مثال “العنب المغلي حرام” بأن ينتزع حكم تعليقي منه، فيقال كان هذا العنب اذا انضم اليه الجزء الآخر وهو الغليان ثبت له الحرمة، فاذا طرأت حالة في العنب وشككنا في بقاء هذا الحكم التعليقي فنستصحبه، فانه حتى لو فرض تماميته فلا يقاس به المقام، لأن المستصحب حرمته عند انضمام الغليان، فاذا حصل الغليان يحكم بحرمته، بينما أنه في المقام يكون المستصحب سببية الاستطاعة لوجوب الحج عند حصولها قبل الشيخوخة، والمفروض عدم انضمامه الى الاستطاعة، لحصولها بعد الشيخوخة.

ولكن الانصاف عدم تمامية هذا الاشكال، فانه بالنظر العرفي يصدق أن الاستطاعة كانت قبل شيخوخة المكلف سببا لوجوب الحج، ويشك في بقاء هذه السببية الى ما بعد شيخوخته فتستصحب، هذا بناء على القول بانتزاع السببية، كما أنه على القول بتعلق الجعل الاستقلالي بها، بأن قال الشارع “الاستطاعة سبب لوجوب الحج” ولم نعلم أنه قال انها سبب لوجوب الحج على المكلف مطلقا او قال انها سبب لوجوب الحج على الشاب، فلا مانع من أن يقال بأن الاستطاعة كانت سببا شرعا لوجوب الحج على هذا الرجل حينما كان شابا فنستصحب بقاء سببيته الشرعية، نعم يرد على استصحاب السببيه اشكال السيد الخوئي على استصحاب بقاء المجعول في الاحكام الانحلالية، فيقال بأن الفرد من الاستطاعة الذي يحصل حال الشباب سبب لوجوب الحج قطعا، وما يشك في سببيته فرد آخر وهو الاستطاعة حال الكبر، ولكنه من شؤون الاشكال على الاستصحاب في الشبهات الحكمية والبحث في المقام مع غمض العين عنه.

الصورة الثانیه من القسم الاول: الشك في حدوث شرطية شيء للتكليف

الصورة الثانية: الشك في حدوث شرطية شيء للتكليف، ولها ايضا ثلاثة فروض:

الفرض الاول من الصورة الثانیه: أن تكون الحالة السابقة للتكليف وجودية لكونه غير مشروط به سابقا

الفرض الاول: أن تكون الحالة السابقة للتكليف وجودية، لكونه غير مشروط به سابقا، فيتوافق استصحاب عدم حدوث الشرطية مع استصحاب بقاء التكليف، ولا فرق في ذلك بين كون منشأ الشك في حدوث الشرطية الشك في النسخ او تبدل حالات المكلف، كما لو وجب الوطء في كل اربعة اشهر على الزوج الشاب مع عدم رغبته الجنسية، وبعد ما كبر احتملنا ارتفاع الوجوب عنه لاحتمال شرطية الرغبة الجنسية في وجوب الوطء على الزوج الكبير السن.

الفرض الثانی من الصورة الثانیه: أن تكون الحالة السابقة للتكليف عدمیة لانتفاء مقتضيه

الفرض الثاني: أن تكون الحالة السابقة للتكليف عدمية، لانتفاء مقتضيه، والآن قد تحقق مقتضيه ولكن يحتمل استمرار عدم التكليف للشك في حدوث شرطية شيء للتكليف، بعد أن لم يكن مشروطا به، وكان منشأ الشك احتمال النسخ، كما لو تزوج الرجل الكبير السن، واحتملنا حدوث شرطية الشباب بعد أن لم يكن شرطا، فيختلف استصحاب عدم شرطيته مع استصحاب عدم التكليف، فيجري استصحاب بقاء الجعل المطلق لاثبات حدوث التكليف ولو من دون حصول ذلك الشرط المشكوك، ويكون حاكما على استصحاب عدم المجعول، فيتوافق في النتيجة مع استصحاب عدم الشرطية ايضا.

الفرض الثالث من الصورة الثانیه: أن تكون الحالة السابقة للتكليف عدمیة لتبدل حالات المكلف

الفرض الثالث: نفس الفرض الثاني مع كون منشأ الشك تبدل حالات المكلف، كما لو تزوج رجل كبير السن فاقد للرغبة الجنسية، واحتملنا شرطية الرغبة الجنسية في وجوب الوطء على كبير السن، فيكون استصحاب عدم شرطيته حين ما كان شابا، مخالفا في النتيجة مع استصحاب عدم وجوب الوطء عليه المعلوم قبل زواجه.

اربعة وجوه فی الفرض الثالث

فيوجد في هذا الفرض اربعة وجوه:

1- ما قد يقال من كون الاصل الجاري في التكليف وهو استصحاب عدم التكليف حاكما على الاصل الجاري في الشرطية من باب تقدم الاصل الجاري في منشأ الانتزاع على الاصل الجاري في الامر الانتزاعي.

ولكن مر الجواب عنه في الاشكال على كلام السيد الخوئي “قده” في الصورة الاولى، فراجع.

2- أن یقال ب‍أن استصحاب عدم الشرطية -اي استصحاب عدم كون وجوب الوطء على تقدير الزواج في ايام الشباب في حق هذا الشخص مشروطا بالرغبة الجنسية- حاكم على استصحاب عدم حدوث التكليف، لكون منشأ عدم حدوث التكليف هو طروّ شرطية ذلك الشرط المشكوك.

3- تعارض استصحاب عدم الشرطية مع استصحاب عدم حدوث التكليف.

4- كون اثبات حدوث التكليف باستصحاب عدم الشرطية من الاصل المثبت، لكونه من لوازمه العقلية، نظير ما مر من كون استصحاب السببية لاثبات تحقق الحكم عقيب تحقق سببه من الاصل المثبت، وعليه فيجري استصحاب عدم حدوث التكليف بلا معارض.

والاقوى هو الوجه الأخير، ونتيجته متحدة مع الوجه الاول والثالث، دون الثاني.

الصورة الثالثة من القسم الاول: الشك في بقاء شرطية شرط التكليف

الصورة الثالثة: الشك في بقاء شرطية شرط التكليف ولها ايضا ثلاثة فروض:

الفرض الاول من الصورة الثالثة: أن تكون الحالة السابقة للتكليف عدمية لعدم تحقق شرطه

الفرض الاول: أن تكون الحالة السابقة للتكليف عدمية، لعدم تحقق شرطه، فيحتمل حدوث التكليف لاجل ارتفاع شرطية ذلك الشرط، فيتوافق استصحاب بقاء الشرطية مع استصحاب عدم التكليف، ولا فرق فيه ايضا بين كون منشأ الشك في بقاء الشرطية الشك في النسخ او تبدل حالات المكلف.

الفرض الثاني من الصورة الثالثة: أن تكون الحالة السابقة للتكليف وجودية

الفرض الثاني: أن تكون الحالة السابقة للتكليف وجودية، لكون الشرط حادثا سابقا، ثم انعدم بعد ذلك، ويكون الشك في بقاء شرطية شرط التكليف لأجل احتمال النسخ، فالظاهر حكومة استصحاب بقاء الجعل المشروط بذلك الشرط على استصحاب بقاء المجعول.

الفرض الثالث من الصورة الثالثة: أن تكون الحالة السابقة للتكليف عدمية لتبدل حالات المكلف

الفرض الثالث: نفس الفرض السابق مع فرض كون منشأ الشك تبدل حالات المكلف، کما لو وجب الوفاء باليمين على الولد مشروطا برضى والده، وكان الشرط حاصلا، فبعد ما استقل في شؤون الحياة زال رضى الوالد ولكننا نحتمل بقاء وجوب الوفاء عليه لاحتمال ارتفاع شرطية رضى الوالد.

فهنا ايضا وان كانت تأتي توجد اربعة وجوه، وهي:

1- جريان استصحاب بقاء التكليف وحكومته على استصحاب بقاء الشرطية.

2- حكومة استصحاب بقاء الشرطية المقتضية لارتفاع التكليف بعد انتفاء الشرط على استصحاب بقاء التكليف، حيث يقال بأن كون الوجوب الثابت في حقه مشروطا برضى الوالد منشأ لارتفاع الوجوب بعد ارتفاع رضاه، فيكون استصحابه حاكما على استصحاب بقاء الوجوب.

3- تعارض الاستصحابين.

4- جريان استصحاب بقاء التكليف بلا معارض لكون احراز ارتفاعه باستصحاب بقاء الشرطية من الاصل المثبت.

لكن لايبعد تمامية الوجه الثالث في المقام والفرق بينه وبين الفرض الثالث من الصورة الثانية أنه هناك لم يكن وجوب فعلي سابق حتى يكون مشروطا او مطلقا، وانما قيل بأنه على تقدير زواجه حال الشباب كان سيجب عليه الوطء مطلقا من دون أن يكون مشروطا بالرغبة الجنسية، فانتزع من ذلك عدم الشرطية، بينما أنه في المقام كان الوجوب الفعلي الثابت في حقه مشروطا برضى الوالد، وانما كان الوجوب فعليا لتحقق شرطه، فيكون استصحاب كون ذلك الوجوب مشروطا حاكما على استصحاب بقاء وجوب الوفاء باليمين بعد ارتفاع رضى الوالد حال استقلال الولد، نظير ما سيأتي من حكومة استصحاب كون الحلية حال العنبية مغياة بعدم الغليان على استصحاب بقاء الحلية الثابتة حال الزبيبية قبل الغليان، والتي لايعلم بكونها مطلقة حتى تبقى بعد غليان الزبيب او مغياة بالغيان حتى ترتفع به.

الصورة الرابعة من القسم الاول: الشك في حدوث مانعية شيء عن التكليف

الصورة الرابعة: الشك في حدوث مانعية شيء عن التكليف، (او رافعيته له) وفيها ايضا ثلاثة فروض:

الفرض الاول من الصورة الرابعة: كون الحالة السابقة للتكليف وجودية

الفرض الاول: كون الحالة السابقة للتكليف وجودية فيتوافق استصحاب عدم المانعية مع استصحاب بقاء التكليف، ولا فرق في ذلك بين كون منشأ الشك في حدوث المانعية الشك في النسخ او تبدل حالات المكلف.

الفرض الثاني من الصورة الرابعة: كون الحالة السابقة للتكليف عدمية لانتفاء مقتضيه

الفرض الثاني: كون الحالة السابقة للتكليف عدمية لانتفاء مقتضيه، مع كون الشك في حدوث المانعية لأجل الشك في النسخ، فاستصحاب عدم المانعية بعد تمامية مقتضي التكليف يتوافق مع استصحاب بقاء جعل الوجوب غير المشروط بعدم ذلك المانع، ويكون استصحاب بقاء الجعل حاكما على عدم المجعول.

الفرض الثالث من الصورة الرابعة: كون الحالة السابقة للتكليف عدمية لتبدل حالات المكلف

الفرض الثالث: نفس الفرض السابق مع كون منشأ الشك تبدل حالات المكلف، فيأتي فيه وجوه اربعة ايضا، وهي 1- حكومة استصحاب عدم التكليف على استصحاب عدم المانعية، 3- حكومة استصحاب عدم المانعية على استصحاب عدم التكليف، 3- تعارضهما، 4- كون جريان استصحاب عدم المانعية لاثبات حدوث التكليف من الاصل المثبت، فيجري استصحاب عدم التكليف بلا معارض.

الصورة الخامسة من القسم الاول: الشك في بقاء المانعية

الصورة الخامسة: الشك في بقاء المانعية وفيها ايضا ثلاثة فروض:

الفرض الاول من الصورة الخامسة: كون الحالة السابقة للتكليف عدمية

الفرض الاول: كون الحالة السابقة للتكليف عدمية، فيتوافق استصحاب المانعية مع استصحاب عدم التكليف.

الفرض الثانی من الصورة الخامسة: كون الحالة السابقة للتكليف وجودية

الفرض الثاني: كون الحالة السابقة للتكليف وجودية، لعدم ابتلاءه بالمانع حدوثا، كاستصحاب مانعية حل الوالد يمين الولد لوجوب وفاءه بيمينه، مع كون الشك في بقاء مانعية ورافعيته لاجل الشك في النسخ، فيجري استصحاب بقاء الجعل المشروط بعدم هذا المانع، ويكون حاكما على استصحاب بقاء المجعول اي بقاء وجوب الوفاء باليمين.

الفرض الثالث من الصورة الخامسة: كون الحالة السابقة للتكليف وجودية لتبدل حالات المكلف

الفرض الثالث: نفس الفرض السابق مع كون منشأ الشك تبدل حالات المكلف، كالشك في مانعية حل الوالد يمين الولد، بعد ما صار الولد مستقلا في شؤونه، فهنا وان كان يأتي الوجوه الاربعة السابقة لكن تبين مما مر حكومة استصحاب بقاء المانعية والرافعية او فقل كون الوجوب مغيَّى بعدم طرو هذا المانع، على استصحاب بقاء التكليف.

هذا كله في حكم الاستصحاب في القسم الاول من الاحكام الوضعية.

البحث فی جريان الاستصحاب فی القسم الثانی من الاحكام الوضعية

وأما القسم الثاني کجزئية القراءة او شرطية الطهارة في الصلاة الواجبة، فلاستصحابه موردان:

المورد الاول من القسم الثاني: أن یعلم بانتفاء التكليف فعلا بالمركب التام

المورد الاول: أن یعلم بانتفاء التكليف فعلا بالمركب التام، كما لو طرأت حالة فقد الطهورين على المكلف في اثناء الوقت فيعلم بعدم وجوب الصلاة مع الطهارة عليه ولكن يشك في وجوب ذات الصلاة عليه فيراد من خلال استصحاب بقاء الشرطية احراز عدم التكليف بذات الصلاة، وهذا ما ذكره المحقق العراقي “قده” في قاعدة الميسور([9]).

مناقشه

ولكن اوردنا عليه اولا: أن المراد من الجزئية ان كان هو الجزئية للواجب الفعلي فيعلم بارتفاعها، و ان كان المراد منها الملازمة بين الامر بالمركب و الامر بهذا الجزء فيشك في ثبوت الملازمة بالنسبة الى حال العجز عن ذاك الجزء، و ليس لها حالة سابقة متيقنة كي تستصحب، على أن الملازمة ليست سببا لارتفاع الوجوب، فضلا عن كون تسببه شرعيا، و كذا ان كان المراد منها الجزئية لما هو محصل للملاك، فليس ارتفاع الوجوب عند طرو العذر عن الجزء مترتبا عليها شرعا، و كذا ان كان المراد منها الجزئية لمسمى الصلاة بناء على الصحيحي، فانه ليس ارتفاع الامر بواقع الصلاة بالعجز عن جزءٍ مترتبا شرعا على جزئية ذلك الجزء في مسمى الصلاة.

المورد الاول من القسم الثاني: أن يحتمل بقاء التكليف بالمركب التام

المورد الثاني: أن يحتمل بقاء التكليف بالمركب التام كما لو صار في الاتيان بالجزء -كالسورة في الصلاة- او الشرط مشقة على المكلف، واحتمل ارتفاع وجوبه، فقد ذكر السيد الخوئي “قده” أنه وان كان يمكن أن نستصحب جزئية السورة، لكن استصحاب وجوب الصلاة مع السورة حاكم على استصحاب جزئيّة السورة؛ لأنّ الاستصحاب في منشأ الانتزاع يكون حاكما على الاستصحاب في الأمر الانتزاعي([10]).

مناقشه

وفيه أن الجزئية حكم وضعي لا يترتب عليه المنجزية والمعذرية، فلا يجدي استصحابها، ولو افاد فلا وجه لحكومة استصحاب وجوب الصلاة مع السورة على استصحابها، حتى لو قلنا بحكومة الاصل السببي على المسببي في الاصول المتوافقة في النتيجة، لعدم انطباق ضابط الحكومة عليه ككون احدهما حكما شرعيا مترتبا على الآخر، وما ذكره من أن جزئية السورة تنتزع من الامر الظاهري الاستصحابي بالصلاة مع السورة([11])، ففيه ان هذه جزئية في الواجب الظاهري والاستصحاب كان يجري في الجزئية في الواجب الواقعي، ولا علاقة لاحدهما بالآخر، فان ذكر ذلك كوجه للحكومة فليس بمتجه، على ان الاستصحاب ليس جعلا للحكم بالمماثل بنظره، وانما هو تعبد بالعلم بالبقاء.

البحث فی جريان الاستصحاب فی القسم الثالث من الاحكام الوضعية

وأما الاستصحاب في القسم الثالث من الاحكام الوضعية، والذي قلنا بكونه مجعولا بالاستقلال كالملكية و الزوجية، فأمره واضح، لكونه كالحكم التكليفي من جميع الجهات، نعم بناء على مسلك الشيخ الاعظم “ره” الذي نسبه الى المشهور من انتزاعها من الاحكام التكليفية فقد تترتب ثمرات في جريان الاستصحاب:

ثمرات جریان الاستصحاب علی فرض انتزاعها من الاحكام التكليفية

منها: ما ذكره السيد الخوئي “قده” من أن لازم هذا المبنى عدم جريان الاستصحاب فيما إذا تزوج أحد صغيرة، ثم بلغت و شك في أنه طلقها أم لا، فانه لا يجري الاستصحاب في الحكم الوضعي، و هو الزوجية، لكونه منتزعاً من التكليف، فيكون تابعاً لمنشأ الانتزاع حدوثاً و بقاءً، و لا في الحكم التكليفي، و هو جواز الوطء لكونه مسبوقا بالعدم، لعدم جواز وطء الزوجة الصغيرة، إلا أن يقال: إنه يجري الاستصحاب في الحكم التكليفي بنحو التعليق بناء على حجية الاستصحاب التعليقي فيقال: إن هذه المرأة لو بلغت سابقاً، كان وطؤها جائزاً و الآن كما كان، و على ما ذكرنا من كون الزوجية مجعولة بالاستقلال، يجري الاستصحاب فيها بلا إشكال و يترتب عليه جواز الوطء([12]).

اقول: كان ينبغي أن يذكر مثال الشبهة الحكمية، كما لو طلق بالفارسية ولم يكن اطلاق يثبت بقاء الزوجية، والا ففي الشبهة الموضوعية كالشك في صدور الطلاق يجري استصحاب عدمه، وكيف كان فقد اتضح أنه يكفي في انتزاع زوجية الصغيرة جواز سائر الاستمتاعات منها ما عدا الوطء، بل جواز وطئها المشروط ببلوغها.

ومنها: ما يقال من أن نتیجة هذا المبنى عدم واقعية للاحكام الوضعية ومجرد كونها انتزاعات عرفية او فقل تعبيرات عن مجموعة احكام تكليفية، وليست مجعولات شرعية، فلا يجري فيها الاستصحاب، او يقال بأنه وان فرض جريان الاستصحاب فيها، لكن حيث لا يكون الحكم الوضعي موضوعا لاحكام تكليفية، بل هو الذي ينتزع عنها فلا يكون الاصل الجاري فيه اصلا موضوعيا بالنسبة الى تلك الاحكام التكليفية، فلابد من اجراء الاستصحاب في نفس الحكم التكليفي، وحينئذ قد يكون مقتضى الاستصحاب في المثال الذي ذكره السيد الخوئي حرمة الوطء، ويمكن أن نجعل الحالة المتيقنة للحرمة فترة الشك في الزوجية قبل بلوغها حيث انها ان كانت حرمة وطء الزوجة الصغيرة فهي مرتفعة يقينا وان كانت حرمة وطء الاجنبية فهي باقية جزما فيكون استصحابها من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلي.

نعم قد يقال حيث تكون الحالة السابقة لحرمة وطءها كونها مغياة بعدم بلوغها فيكون استصحاب كون حرمة وطءها مغياة بذلك حاكما عرفا على استصحاب بقاء ذات الحرمة -المعلومة بعد طلاقها والمرددة بين كونها مغياة او مطلقة- الى ما بعد بلوغها، كما سيأتي توضيحه في بحث الاستصحاب التعليقي.

وأما اجراء الاستصحاب التعليقي لجواز وطئها على تقدير بلوغها، ففيه أنه ليس من الموارد التي يتم فيه جريان الاستصحاب التعليقي، كما سيأتي توضيحه في محله.

التفصیل بین ان یکون الحکم الظاهری مجعولا مستقلا او کان من الاعتبارات الادبية

وفي ختام هذا البحث ينبغي التعرض الى ما ذكره بعض السادة الاعلام “دام ظله” حول الاستصحاب في المقام ومحصل كلامه اختصاص جريان الاستصحاب بالقسم الذي يكون الحكم الوضعي مجعولا فيه بالجعل الثبوتي الاستقلالي، كالملكية والزوجية والطهارة والنجاسة الواقعييتين، وأما الطهارة الظاهرية فهي من الاعتبارات الادبية، ولا يجري فيها الاستصحاب، لأنها مجرد تعبير، ولا يجري الاستصحاب في التعبيرات، وانما يجري في الواقعيات التي يشك في بقاءها، كما ذكر في الامور الانتزاعية كالسببية والشرطية للتكليف أنه لا مقتضي لجريان الاصل فيها، مضافا الى أنه ان تحقق الامر الانتزاعي فمنشأه متحقق بطريق اولى، فيجري الاستصحاب في منشأ الانتزاع وهذا مغنٍ عن جريان الاصل او الاستصحاب في الامر الانتزاعي([13]).

أن الاستصحاب يجري في الحكم ولا يجري في مفاد الخطاب الذي قد يكون من الاستعارات والكنايات

اقول: أما عدم جريان الاستصحاب في الحكومة الادبية التي لا تزيد عن مجرد التعبير والاستعارة كما في قوله “الفقاع خمر” حيث انه مجرد كاشف عن جعل احكام الخمر له فواضح، اذ الاستصحاب يجري في الحكم الثبوتي الاعم من الواقعي او الظاهري، ولا يجري في مفاد الخطاب الذي قد يكون من الاستعارات والكنايات، فلابد في مثال “الفقاع خمر” من استصحاب ما هو المجعول ثبوتا وهو احكام الخمر الثابتة للفقاع.

مفاد قاعدة الطهارة

ولكن الظاهر أن الامر في مفاد قاعدة الطهارة ليس من هذا القبيل، فان مفادها لا يخلو من أحد امرين:

1- أن يكون مفادها اعتبار الطهارة في مشكوك الطهارة، وهذا وان كان بنفسه غير كافٍ لاثيات آثار الطهارة الواقعية، لكن الظاهر منه كونه بغرض تنجيز الآثار الالزامية للطهارة الواقعية -كاثبات وجوب الوضوء اذا كانت جارية في الماء المنحصر- او التأمين عن الآثار الالزامية للنجاسة الواقعية،كالتأمين عن حرمة الشرب او الوضوء من الماء المشكوك او نجاسة ملاقيه، ومما يؤكد هذا الظهور ويقوِّيه ملاحظة اختصاص الاثر الشرعي بالطهارة الواقعية، فيكون اثر الطهارة الظاهرية منحصرا بقيام الحجة على الطهارة الواقعية، وهذا بخلاف قاعدة الحل، فانه بناء على كون مفادها انشاء الحلية والترخيص في مشكوك الحرمة الواقعية، فاثرها الرخصة في الارتكاب، فلو لم يكن دليلها ظاهرا في كون الحل بغرض تنجيز وتعذير آثار الحلية الواقعية كان المتيقن منه الرخصة في الارتكاب فقط دون ترتيب مثل صحة الصلاة ولو ظاهرا في الثوب المتخذ من الحيوان الذى جرى فيه قاعدة الحل.

2- أن يكون مفادها تنزيل مشكوك الطهارة منزلة الطاهر الواقعي، وهذا التنزيل يختلف عن مثل تنزيل الفقاع منزلة الخمر والذي قلنا بأنه لا يعني الا جعل احكام الخمر له ثبوتا، حيث انه حكومة واقعية، بينما أن الحكومة في المقام حكومة ظاهرية، وتكون بغرض التنجيز والتعذير، وروحها كأي حكم ظاهري آخر هو ابراز اهتمام الواقع بالواقع وعدمه، ويكفي في ذلك ابراز انشاء تنزيل المشكوك منزلة الطاهر، بلا حاجة الى جعل احكام الطاهر له ثبوتا، وان كان ذلك لا يؤدي الى التصويب ايضا، بعد أن كان الغرض منه التنجيز والتعذير لا أكثر، والحاصل أن حمل قوله “كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر” على كونه استعارة لجعل احكام الطاهر للمشكوك، خلاف الظاهر خصوصا مع مناسبة جعل حكم شيء لشيء آخر مع الجعل الواقعي لا الظاهري.

وعليه فلا مانع من استصحاب بقاء الطهارة الظاهرية لو وصلت النوبة اليه، كما لو شك في طهارة ماء ثم علم اجمالا بنجاسته او نجاسة ماء آخر، فانه بعد تعارض أمارة الطهارة الظاهرية في الماءين بعد حصول العلم الاجمالي، وهي عموم قوله (عليه السلام) في موثقة عمار “كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر” تصل النوبة الى الاصل العملي وهو استصحاب الطهارة الظاهرية في الماء الاول، لعدم كونه طرفا للمعارضة مع الأمارة على الطهارة الظاهرية في الماء الثاني.

استصحاب الامور الانتزاعية

وأما ما ذكره حول استصحاب الامور الانتزاعية من عدم المقتضي لجريانه فلم نفهم وجهه، بعد عدم كون معنى انتزاعية الشيء كونه مجرد تعبير لا واقع له ولو عرفا، وراء منشأ انتزاعه، فان العرف يرى ثبوت السببية للزوال مثلا عقيب جعل وجوب الصلاة عند الزوال، وهكذا جزئية السورة للصلاة الواجبة، عقيب ايجاب الصلاة مع السورة، نعم قد يكون مبنى الشيخ الاعظم في القسم الثالث كالزوجية والملكية أنه تعبير آخر عن مجموعة تكاليف متناسبة، لا واقع له وراءها، وأما ما ذكره من أنه لو فرض المقتضي لاستصحاب بقاء السببية والجزئية ونحوهما فمع جريان استصحاب بقاء منشأ انتزاعها لا تصل النوبة الى استصحاب بقاءها، فقد سبق نظيره عن السيد الخوئي وعرفت الجواب عنه.

المختار: عدم تمامية التفصيل في جريان الاستصحاب بين الاحكام الوضعية والتكليفية.

وكيف كان فقد تحصل مما ذكرناه عدم تمامية التفصيل في جريان الاستصحاب بين الاحكام الوضعية والتكليفية.

الاشكال السيد الامام ره حول استصحاب الحجية

وفي ختام هذا البحث ينبغي التعرض الى اشكال ذكره السيد الامام “قده” حول جريان استصحاب الحجية فقال: ان ههنا إشكالا قويا على استصحاب الحجية، و هو أنه إما ان يراد به استصحاب‏ الحجية العقلائية فهي أمر غير قابل للاستصحاب، أو الحجية الشرعية فهي غير قابلة للجعل، أو جواز العمل على طبق قوله فلا دليل على جعل الجواز الشرعي، بل الظاهر من مجموع الأدلة هو تنفيذ الأمر الارتكازي العقلائي([14]).

مناقشه: لا مانع من استصحاب الحجية الانشائية الشرعية

ولكن لم نفهم وجه هذا الاشكال فانه لا مانع من استصحاب الحجية الانشائية الشرعية تأسيسية كانت او امضاءية، وبهذا الاستصحاب تصل الحجية الانشائية الى المكلف فيحكم العقل بالتنجيز والتعذير، ولا يهم اختلاف صياغات الحجية الانشائية من جعل العلمية او الحكم المماثل او جعل عنوان المنجزية والمعذرية وشابه ذلك.

 



[1] – منتقى الاصول ج 6ص 149

[2] – مصباح الاصول ج3ص 82

[3] – الاستصحاب ص 192

[4] – القواعد والفوائد ج1ص 158

[5] – مصباح الاصول ج3ص 87

[6] – نهاية الافكار ج 4ق ص 87

[7] – الاصول في علم الاصول ج 2ص 383

[8] – مصباح الاصول ج3ص 88

[9] – نهاية الافكار: القسم الثاني من الجزء الثالث، ص 450

[10] -مصباح الاصول ج 3 ص 88

[11] – مصباح الاصول ج3ص 88

[12] – مصباح الاصول ج 3ص82

[13] – الاستصحاب ص 224

[14] – الرسائل ج‏2 ص154