دانلود فایل صوتی 230312_1952

فهرست مطالب

فهرست مطالب

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدرس: 75 الأستاذ: الشيخ محمد تقي الشهيدي =

المبحث: القطع الدرس: الأصول

التاريخ: الأحد، 19 شعبان المعظم، 1444 ه

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

 

كان الكلام فيما ذكره صاحب الكفاية قدس سره: من أنّه إذا حصل القطع بالحكم الفعليّ فيكون هذا القطع منجزاً إذا كان القطع بالتكليف ومعذراً إذا كان القطع بعدم التكليف.

نعم، ذكر أنّ معذريته تختص بما إذا لم يكن مقصّرا، فإن كان مقصّرا في مقدمات حصول القطع بعدم التكليف لم يكن معذورا.

أشكل السيد الخوئي رحمه الله عليه بأنّه: ما هو وجه التقييد بكون الحكم فعليا؟ الحكم الفعلي هو الحكم الذي صار فعلياً بفعلية موضوعه، فوجوب الحج على المستطيع بعد أن يكون المكلف مستطيعاً يصير فعلياً في حقه فيتنجز عليه، ولكن قبل وجود الموضوع أيضاً القطع بهذا الحكم الذي يسمى بالحكم الإنشائي موضوع لآثارٍ منها جواز الإفتاء.

 

[التعليق على ما ذكره السيد الخوئيرحمه الله]

السيد الخوئي رحمه الله هنا كان ينبغي أن يلحظ مبنى صاحب الكفاية رحمه الله في تفسير الفعليّة؛ هذا التفسير الذي ذكره السيد الخوئي رحمه الله تفسيرٌ على ضوء مباني المحقق النائيني قدس سره من أنه إذا أُنشىءَ حكم على موضوع مقدّر الوجود على نحو القضية الشرطيّة فإذا وجُد موضوعه في الخارج فحينئذٍ يتحقق ظرف هذا الحكم.

فمآل قوله: المستطيع يحج إلى انه اذا وجد المستطيع يثبت وجوب الحج في حقه، فيصير الوجوب فعليا في حقه.

لكن صاحب الكفاية رحمه الله: يقصد من الفعلية معنى آخر وهو:

أن يكون الحكم التكليفي:

– مقترناً بالإرادة اللزومية للمولى بالنسبة الى إتيان المكلف بمتعلّق ذلك الوجوب.

– أو انقداح الكراهة اللزومية في نفس المولى بالنسبة الى الفعل الحرام.

فقد يُنشىء المولى وجوب فعل ولكن لا يريد أن يأتي المكلف به على نحو الإرادة اللزومية، بل قد لا يريد أن يأتي المكلف به حتى على نحو إرادة غير لزومية، بل قد يكره أن يأتيَ به، كما مثّل لذلك بتكاليف أُنشأت في الشريعة الإسلامية لكن تختص فعليتها بما بعد ظهور الحجّة عليه السلام، فالآن لو تصدى المكلّف لإتيان ذلك الفعل الذي يصير فعلياً بعد ظهور الحجة عليه السلام قد يكون مرتكباً للمكروه والمبغوض.

مثلاً: افرض أنه يجب قتل السارق مثلاً في زمان الظهور، الآن لو تصدى القاضي لقتل سارق فقد ارتكب محرّما لأنّ هذا الحكم لم يصر فعلياّ الآن.

فمعنى الفعلية بنظر صاحب الكفاية رحمه الله: أن تنقدح الإرادة اللزومية أو الكراهة اللزومية بالنسبة الى الفعل الذي أنشىء وجوبه او أُنشئت حرمته.

وهو يقول مراتب الحكم اربعة:

1. مرتبة الاقتضاء: أي مرتبة الملاك.

2. مرتبة الإنشاء.

3. مرتبة الفعليّة.

4. مرتبة التنجّز.

مرتبة الملاك والاقتضاء: مرتبة ما قبل الحكم.

ومرتبة التنجز: مرتبة ما بعد الحكم.

فلنفس الحكم مرتبتان: مرتبة الإنشاء ومرتبة الفعلية. طبعاً هذا خاصٌّ بالحكم التكليفي وإلا ففي الحكم الوضعي لا معنى لتصوير أنّ هذا الحكم الوضعي لم يصر فعلياً بهذا المعنى.

نعم، الحكم التكليفي المترتب على هذا الحكم الوضعي يتصور فيه أن لا يبلغ حدّ الفعلية ولكن نفس الحكم الوضعي لا ينشأ عن إرادةٍ لزوميّة بالنسبة إلى فعل المكلف، حكمٌ وضعيٌّ متعلّق بموضوعه.

 

[إشكال السيد الخوئي على مبنى صاحب الكفاية]

السيد الخوئي رحمه الله أشكل على مبنى صاحب الكفاية؛ فقال: ما هو مقصودكم من انقداح الإرادة في نفس المولى بالنسبة الى فعل العبد؟ هل مقصودكم تعلّق شوق المولى بفعل العبد؟

الشوق ليس مقوّما لا للإرادة التكوينية ولا للتكليف، فقد يشتاق الإنسان إلى شيء لا يريد أن يأتي به وقد يشتاق المولى إلى فعلٍ لا يريد أن يأتي المكلف به، كما أنه قد يريد شيئاً ولا يشتاق إليه. كما في إرادة إتيان الفاسد دفعاً للأفسد فالإرادة بمعنى الشوق لا دور له لا في الإرادة التكوينية ولا في التكاليف، وأما الإرادة بمعنى صرف القدرة فهي مختصة بالفعل الإختیاریّ لنفس الشخص فهو يصرف قدرته في إيجاد الفعل ولا معنى لأن يصرف المولى قدرته في إيجاد الفعل الاختياري للمكلف. وما ذكرته من أنّه قد لا يكون الإنشاء بداعي البعث والزجر فيكون الحكم إنشائيا لا فعليا: هذا أيضاً غير صحيح؛ الحكم الذي لا يكون بداعي البعث يعني يكون بداعي التهديد أو بداعي الاستهزاء او بداعي الامتحان، من الواضح أنه لا يكون من مراتب الحكم الحقيقي، إنشاء البعث بداعي التهديد ليس من مراتب الحكم الحقيقي وكلامنا في الحكم الحقيقي وهو الإنشاء بداعي البعث.

 

[الدفاع عن الآخوند]

أنا أقول: مقصود صاحب الكفاية رحمه الله من أنّه اذا لم تتعلّق إرادة المولى بفعل العبد فلا يكون وجوب ذلك الفعل فعلياّ في حق هذا العبد وإن كان هو الشوق المؤكد لكن نحن يمكننا أن نجيب عن إشكال السيد الخوئي رحمه الله على ضوء مبانينا فنقول:

المراد تعلّق الغرض اللزومي للمولى نحو فعل العبد وهذا موجود بالوجدان، في أمر المولى عبده بفعلٍ فهو حينما يقول لعبده جئني بماءٍ فلا يخلو ضميره وباطنه عن نحو تعلّق غرضٍ لزوميٍّ بأن يأتي العبد بالماء وهذا ما قد يُعبّر عنه بإنشاء البعث بداعي إنبعاث المكلف.

ما هو معنى داعي انبعاث المكلف عدا هذا الغرض اللزومي في نفس المولى بأن يأتي المكلف بالفعل؟! وقد لا يكون في نفس المولى إرادة لزومية نحو فعل العبد بهذا المعنى أي لم يتعلق غرضه اللزومي بفعل العبد فلا يصير الحكم فعليا.

فإذاً: لا بأس بما ذكره صاحب الكفاية رحمه الله من أنّ المنجز والمعذر هو القطع بالحكم الفعلي بهذا المعنى الذي يذكره صاحب الكفايةرحمه الله.

ولأجل ذلك نلتزم بأنّه قد يعلم المكلف بحكمٍ لكن عُلم من الخارج عدم تعلق الإرادة اللزومية للمولى نحو امتثاله، ويمكننا أن نذكر لذلك مثالين:

المثال الاول: الوارث الذي يعلم باشتمال تركت المورث على ربا فوصل الى هذا الوارث افرض- دفترين يعلم بأنّ أحدهما مأخوذ رباً، عشرة آلاف دولار وعشرة آلاف دولار، دفتر ودفتر. يعلم إجمالاً بأنّ أحدهما رباً أخذه والده من المديون على نحو الربا.

الرواية الصحيحة تقول: ما دام لا يعلم هذا الوارث، ما دام لا يعرف هذا الوارث الربا بعينه فحلال له، وصل الى هذا الوارث أنّ أحدهما ربا ولكن من خلال هذه الصحيحة نعلم أنّه لم يتعلق غرض المولى باجتناب هذا الوارث عن المال الربوي المشتبه.

طبعاّ من يرى مثل السيد الخوئي رحمه الله أنّه لا يمكن الترخيص في المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي ينجبر إلى أن يقول بأنّ حرمة الربا واقعاً مرتفعة في هذا الفرض وإنّما تحدث حرمة الربا إذا علم الوارث وعرف الوارث الربا بعينيه. إن ارتفعت الحرمة الواقعية لأنّه بعد ورود النص على جواز تصرّف الوارث في كلا المالين يقول: لا يمكن إذاً بقاء الحرمة المعلومة بالإجمال، فلا بدّ من الإلتزام بانتفائها واقعاً.

ولكن نحن: وفاقاً للبحوث والشيخ الأستاذ نلتزم بأنّه ليس هناك مانعٌ من بقاء الحرمة الواقعيّة ولكن تلك الحرمة الواقعيّة ليست مقترنةً باهتمام الشارع برعايتها في هذا الفرض.

طبعاً هذا المثال الأول يقبله صاحب الكفاية رحمه الله فيما إذا لم يكن هناك علمٌ إجماليٌّ بحرمةٍ فعليّة، ولعلّه من خلال ذلك النص المعتبر يكشف عن عدم وصول تلك الحرمة الواقعيّة للربا إلى حدّ الفعليّة، ولا بأس بذلك.

المثال الثاني: ما ذكره صاحب العروة قدس سره: من أنّه لا عبرة بعلم الوسواسي بالطهارة أو النجاسة. مثلاً: الوسواسي علم بنجاسة ثوبه أو جسده أو طعامه من طريق الوسوسة.

طبعاً، الأعلام اختلفوا:

– السيد الخوئي رحمه الله قال: لا يمكن أن نقول بأنّ قطع الوسواس بهذا الحكم وهو وجوب الاجتناب عن هذا الطعام النجس لا يكون مُنَجِزاً على المكلف.

فالمقصود: أنّه لا عبرة بشهادته، الناس لا يمكنهم أن يعتمدوا على شهادة الوسواسي بنجاسة هذا الشيء، وأمّا هو بعدما قطع بنجاسة هذا الشيء يتنجز عليه أن يجتنب عنه.

– لكن كما قال السيد السيستاني وهكذا الشيخ التبريزي قدس سره أنّه لا مانع من أن نلتزم بأنّ هذا الحكم الذي يقطع به الوسواسي لم يتعلّق به الغرض اللزومي، من أين نستكشف ذلك؟ هذا بحث اخر، ولكن يمكن استكشاف ذلك من دليل وآخر، أنّه لا يجب عليه ولا يتنجز عليه أن يمتثل ذلك التكليف لعدم وصوله إلى حدّ الفعليّة بهذا المعنى الذي ذكرناه أي عدم وصوله إلى مرتبة تعلّق الغرض اللزومي للمولى برعاية ذلك الحكم الواقعي المعلوم من طريق الوسوسة.

وكان شيخنا الأستاذ قدس سره يقول:

وقد يكون هناك قطع تفصيلي لا ينشأ من الوسوسة ولكن ينشأ من محاسبات دقيقة؛ كمن يقول بأنّي أعلم بأنّ هذا اللحم الذي أشتريه مغصوب، هذا البيض الذي أشتريه مغصوب؛ لماذا؟

إما هو بنفسه مغصوب أو أنّ أمه غُصبت فُولد منها هذا الولد، والنماء تابعٌ للأصل. الأم إذا كانت مغصوبةً في الحيوانات يكون النتاج تابعا لها وإذا لم تكن أم هذا النتاج مغصوبة بعينها فجدة هذا النتاج مغصوبة وهكذا… لأنّه خلال هذه السلسلة من زمان أنّه الله سبحانه وتعالى خلق الدجاج مثلا والدجاجة أو خلق الشاة يمضي عليه آلاف السنين كم تحقق الغصب في الحروب غير الشرعية؟! في الغارات بين أهل القرى؟! في المواريث الاخ يغصب حصة أخته أو إخوته؟!

قال ليس من البعيد، يعني يحصل العلم التفصيلي بأنّ هذا البيع مغصوب، هذا اللحم مغصوب إمّا بنفسه أو بواسطة أمه أو جدته أو جدة جدته وهكذا.

ولكن هذا العلم التفصيلي ليس منجزا، ليس منجزا بالسيرة القطعية والعلم بمذاق الشارع.

فإذاً هذا يعني: أنّ هذا الحكم حتى لو كان ثابتاً في مرحلة الإنشاء فلم يصل إلى حدّ الفعلية بمعنى تعلق الغرض اللزومي للمولى نحو امتثاله.

لكن في البحوث: قبِل المثال الأول ولم يقبل هذا المثال الثاني؛ لماذا؟

يقول: في المثال الأول لا يوجد علم تفصيلي؛ العلم الاجمالي مقرون بشکين تفصيليّين. هذا الوارث يعلم إجمالاً بأن أحد المالين ربا لكن يشك تفصيلا في كون هذا المال ربا، فمرتبة الحكم الظاهري محفوظة فيه. وأمّا في القطع التفصيلي لا تنحفظ مرتبة الحكم الظاهري بنظر هذا المكلف، هذا الوسواس أو هذا الذي حصل له العلم التفصيلي بهذه المحاسبات يقول أنا لست شاكاً في ثبوت الحكم الواقعي، فمرتبة الحكم الظاهر ليست محفوظة، فحينئذ لو أراد الشارع أن يرخص فلا بد أن يرفع الحكم الواقعي.

نشوف هل هذا الكلام للبحوث صحيح أو ليس بصحيح؟ نتكلم عن ذلك في الليلة القادمة إن شاء الله.

والحمد لله ربّ العالمين.