دانلود فایل صوتی 230221_1930

فهرست مطالب

فهرست مطالب

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدرس: 66 الأستاذ: الشيخ محمد تقي الشهيدي

المبحث: المطلق والمقيد (حمل الخطاب المطلق على المقيّد) الدرس: الأصول

التاريخ: الثلاثاء، 30 رجب الأصب، 1444 ه

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

 

كان الكلام في حمل الخطاب المطلق على المقيّد. وصلنا إلى الصورة الثالثة: وهي ما إذا كان الخطابان بدليّين متوافقين؛ كأن ورد في خطابٍ “إن أفطرت فأعتق رقبة” وورد في خطابٍ آخر “إن أفطرت فأعتق رقبةً مؤمنة”.

فذكر صاحب الكفاية رحمه الله أنّه لا بدّ من حمل الخطاب المطلق على المقيّد؛ بأن نقول المراد الجدّي من قوله “إن أفطرت فأعتق رقبة” هو وجوب عتق رقبةٍ مؤمنة، ثمّ قال رحمه الله: قد يُعلّل ذلك بأنّ التحفظ على إطلاق هذا الخطاب المطلق يقتضي أن نحمل الأمر في خطاب “إن أفطرت فأعتق رقبة مؤمنة” على الاستحباب وهذا يوجب التجوّز وتنفيه أصالة الحقيقة، بينما أنّه لو حمل الإطلاق في الخطاب المطلق على المقيّد لم يستلزم أيّ تجوّزٍ.

أجاب صاحب الكفاية رحمه الله عن ذلك فقال: هذا التعليل ليس بتامٍ؛ لأنّه لو أُبقي الإطلاق في الخطاب المطلق فلا يعني ذلك حمل الأمر في الخطاب المقيّد على الاستحباب؛ فإنّ حمله على بيان أفضل أفراد الواجب لا يعني حمله على الاستحباب، واجبٌ لكن ليس واجباً تعيينيّاً وإنّما أُمر به لكونه أفضل أفراد الواجب، فحمل خطاب الأمر بعتق رقبةٍ على كونه أفضل أفراد الواجب لا يقتضي التجوّز كي ننفيه بأصالة الحقيقة. فما الوجه في التحفظ على ظهور خطاب الأمر بالمقيّد في الوجوب التعييني؟

يقول صاحب الكفاية رحمه الله: وجهه كونه أقوى ظهوراً من ظهور خطاب المطلق في الإطلاق.

 

نقول لصاحب الكفاية رحمه الله:

أولاً: إذا أبقينا الإطلاق في الخطاب المطلق فلا مناص إلا بحمل الأمر في الخطاب المقيّد على الاستحباب، فإنّ الأمر بأفضل أفراد الواجب ليس إلا استحباب ذلك. فيا تُرى: لو قال المولى لبيان أفضل أفراد الواجب، مثلاً قال “الصلاة في المسجد فريضةٌ” ألا تقولون بأنّ هذا يستلزم المجاز؟ بأن نقول الصلاة في المسجد فريضةٌ مجازاً؟ وهذا يعني أنّه حينما نحمل خطاب الأمر بالمقيّد على كونه أفضل أفراد الواجب فنحمل الأمر على الاستحباب، هذا أولاً.

وثانياً: مجرّد كون الأمر بالمقيّد ظاهراً في الوجوب التعييني بظهورٍ أقوى من ظهور الخطاب المطلق في الإطلاق لا يقتضي أن يكون التحفظ على هذا الظهور الأقوى جمعاً عرفيا، ولأجل ذلك أنتم أبيتم عن تقديم الخطاب العام على الخطاب المطلق عند تعارضهما بالعموم من وجه؛ كما لو ورد في خطابٍ “أكرم كلّ عالم” وورد في خطابٍ منفصل “لا تكرم الفاسق”، وتعارضا في موضع العالم الفاسق، أبيتم عن تقديم الخطاب العام مع أنّه لا ريب في كون الظهور في الخطاب العام أقوى من الظهور السكوتي للخطاب المطلق.

والصحيح أن نقول:

الجمع الموضوعي بنظر العرف مقدّمٌ على الجمع الحكمي؛ فحمل خطاب الأمر بالمقيّد على الاستحباب جمعٌ حكميٌّ، ولكن تقييد الخطاب المطلق بموضوع الخطاب المقيّد بأن نقول: المراد من قوله “إن أفطرت فأعتق رقبة” أنّه إن أفطرت فأعتق رقبةً مؤمنة، هذا جمعٌ موضوعيٌّ والعرف ما دام يرى أنّ الخطاب المقيّد نص في موضوعه فلا يتردد في تقديمه على الخطاب المطلق إذا لم يستلزم من ذلك محذورٌ آخر.

والشاهد على ذلك: أنّه لو جمع المولى بين هذين الخطابين في كلامٍ واحد فقال له “إن أفطرت فأعتق رقبة، إن أفطرت فأعتق رقبةً مؤمنة” لا يتأمل في أنّ الخطاب الثاني مبيّن للمراد من الخطاب الأول لا أنّه مجرّد استحباب.

يقول: اشتري الخبز، اشتري الخبز الحار”، هل يحمل الأمر بشراء الخبز الحار على الاستحباب؟ لا، لو ذهب هذا الولد واشترى خبزاً بارداً، فأحضر خبزاً بارداً، الأب يقول له: ألم أقل لك اشترِ الخبز الحارّ؟! يعني هذا أنّه يرى أنّ العرف يحمل الإطلاق على المقيّد.

ولكن: هذا فيما إذا أُحرز وحدة الحكم، أي أُحرز أنّ الحكم الظاهر من الخطاب المطلق والخطاب المقيّد وهو الوجوب في مثالنا هذا- ليس إلا وجوباً واحدا، ليس هناك وجوبان، وجوب واحد، فهل متعلقه عتق رقبةٍ كي نحمل أمر “اعتق رقبة مؤمنة” على الاستحباب أو أنّ متعلّق الوجوب عتق رقبة مؤمنة.

وأما إذا لم نُحرز وحدة الحكم:

فتارةً نُحرز تعدد الحكم: نحرز تعدد الوجوب، نحرز أنّ هناك وجوبان، فمن الواضح أنّه لا وجه لحمل الخطاب المطلق على الخطاب المقيّد لأنّه هناك وجوبين؛ وجوب عتق رقبة ووجوب عتق رقبة مؤمنة، وليس وجوباً واحداً، وهذا على قسمين:

أ. أن يكون مقتضى الوجوبين تعدد الإمتثال وعدم تداخل الإمتثال.

ب. والثاني: أن يكون هناك تداخل في الإمتثال.

لأنّه تارةً يُعلم أنّ المولى مثلاً- أمر بالإتيان بماءٍ باردٍ كي يشربه وأمر بإتيان الماء كي يصبّه على الشجرة، فقال له: “جئني بماءٍ بارد وجئني بماءٍ”، فلا بدّ أن يأتي هذا العبد بمائين أحدهما يلزم أن يكون بارد والثاني مطلق.

وأما فرض تداخلهما في الإمتثال:

فهو أن يقول المولى لعبده “إشرب ماءً، إشرب ماءً بارداً” وعُرف منه أنّه يأمره بشرب ماءٍ بارد كي تزول الحمّى عنه، تنزل حرارته، ويأمره بشرب ماءٍ كي يزول عطشه، فإذا شرب الماء البارد فقد امتثل كلا الأمرين؛ فشرب الماء البارد المزيل لحرارته وأيضاً شرب الماء المزيل لعطشه. وإذا شرب ماءً غير باردٍ امتثل الأمر بشرب ماءٍ وبقي عليه امتثال شرب الماء البارد.

 

ظاهر كلام السيد الخوئي رحمه الله:

أنّ الثاني غير معقول؛ فإن كان هناك تعدد وجوب فلا بدّ من تعدد الامتثال، وأمّا تداخلهما في الامتثال ففي أول الأمر قال لا مانع منه أيضاً لكنه خلاف الظاهر، كما أنّ فرض تعدد الوجوب بنحوٍ يقتضي تعدد الامتثال أيضاً خلاف الظاهر، وكلاهما يحتاجان إلى قرينة، ومع العلم بتعدد الوجوب -قيام القرينة عليه نرتكب هذا الأمر المخالف للظاهر.

ولكنه رحمه الله تاليها ذكر شيئاً: مقتضى صياغة كلامه أنّ تعدد الوجوب المقتضي للتداخل في الإمتثال مستحيل؛ لماذا؟ قال: هذا يستلزم التخيير بين الأقلّ والأكثر، كيف؟

أنا أذكر لكم صورة المسألة: ما هو المراد من التخيير بين الأقلّ والأكثر؟

إذا قال المولى “يجب عليك أن تصوم يوماً أو يومين” يقول السيد الخوئي رحمه الله: مستحيل يتعلق الوجوب بالجامع بين صوم يوم أو صوم يومين، لماذا؟ لأنّ صوم يوم واحد مما لا بدّ منه، وصوم اليوم الثاني مما يجوز تركه، فكيف يكون عدلاً للواجب التخييري؟ عدل الواجب التخييري أن يجوز تركه إلى بدله، وأنت يجب عليك أن تصوم يوماً ويجوز لك أن تترك الصوم في اليوم الثاني، فأين الوجوب التخييري؟ هذا وجوبٌ تعيينيٌّ لصومٍ واحد واستحباب صوم اليوم الثاني. ولأجل هذا يقول يستحيل التخيير، أي وجوب الجامع بين الأقلّ والأكثر.

ولأجل ذلك ترون أنّ الأعلام في قضية التسبيحات الأربعة لمّا يتكلمون عن التخيير يقولون أنّه لا بدّ من أن تكون المرّة الواحدة بشرط لا، يكون الواجب الجامع بين التسبيحات الأربعة بمرةٍ واحدة بشرط لا عن الزائد أو التسبيحات الأربعة ثلاث مرات، وإلا لو كان لا بشرط لزم منه التخيير بين الأقلّ والأكثر وهو مستحيل.

هنا يقول السيد الخوئي رحمه الله: تعدد الوجوب المقتضي للتداخل في الإمتثال يستلزم التخيير بين الأقلّ والأكثر، يعني أنت مخيّرٌ بين أن تجيء بماءٍ بارد أو تجيء بماءٍ حارٍّ ثمّ تجيء بماءٍ بارد، هذا مستحيل؛ لأنّ الإتيان بالماء البارد مما لا بدّ منه على أي تقدير. فأنت مرّخصٌ في ترك الإتيان بالماء الحارّ، فأين الوجوب؟ إتيانك بالماء البارد ممّا لا بدّ منه، وإتيانك بالماء الحار قبله قد رخّصك الشارع في تركه، فأين وجوب الجامع؟ وجوب الجامع هو ما يجب فعله عند ترك بدله، لا يجب الإتيان بالماء الحارّ ولو قبل الإتيان بالماء البارد، بل يجب عليك أن تأتي بالماء البارد على أيّ تقدير.

نقول:

1. يا سيدنا هذا الكلام منك متهافتٌ مع قولك أولاً: تعدد الوجوب المقتضي لعدم التداخل أو المقتضي للتداخل كلاهما خلاف الظاهر، ثم تصل إلى أنّ الفرض الثاني وهو فرض التداخل في الامتثال مستحيل؟! هذا يتضمن نحو تهافتٍ في الكلام المنقول عن السيد الخوئي رحمه الله.

ولا أقول هذا خطأٌ من المقرّر، لأنّه اجتمع على نقله صاحب الدراسات في علم الأصول المرحوم السيد علي الشاهرودي رحمه الله وهو قرّر الدورة السابقة على دورة مصباح الأصول والمحاضرات، والمقرر الثاني هو صاحب المحاضرات في أصول الفقه. هذا أولاً، كلام السيد الخوئي رحمه الله هنا اشتمل على التهافت، والعصمة لأهلها.

وثانياً: يا سيدنا الخوئي، التخيير بين الأقل والأكثر الذي قلتم بإستحالته وقبلنا ذلك منكم إنّما هو فيما إذا كان التخيير بين الأقلّ والأكثر في مقام الجعل لا في مقام الإمتثال، التخيير بين الأقل والأكثر في مقام الجعل كهذا المثال “يجب عليك أن تصوم يوماً أو يومين” “يجب عليك أن تكرم زيداً أو زيداً وعمرا”وهكذا، هذا مستحيل.

وأمّا التخيير بين الأقلّ والأكثر في مقام الإمتثال هذا ليس مستحيلاً، الشارع أمر بطبيعةٍ وأمر أمراً آخر بحصّةٍ منها، وكِلا الأمرين تعيينيان، “يجب عليك أن تشرب ماءً” يجب عليك تعييناً أن تشرب ماءً باردا”؛ كِلاهما وجوبان تعيينيّان فأين التخيير بين الأقلّ والأكثر؟ أين وجوب الجامع بين الأقلّ والأكثر؟ لكن باختيار المكلف أن يختار شرب ماءٍ بارد فينطبق عليه كلا العنوانين، عنوان شرب ماء وعنوان شرب ماءٍ بارد، وهذا هو المقتضي للأصل، ولزوم التعدد في الإمتثال يحتاج إلى قرينة، وهذا تخييرٌ بين الأقلّ والأكثر في مقام الإمتثال، نظير: أنّ المولى قال “أكرم عالماً” وقال “أكرم هاشمياً”، كلاهما وجوبان تعيينيّان ولكن بإمكانك اختيار عالم هاشمي سيد ابن رسول الله فتكرمه، فتمتثل هذين الأمرين التعيينيّين بفعلٍ واحد، وهذا التداخل مقتضى القاعدة.

والسيد الخوئي قدس سره ممن لا يخفى عليه هذه الدقائق. ورد في كتاب العروة أنّه لو علم إجمالاً أنّ عليه إما كفارة يمين أو كفارة عهد؟ فبعضهم قالوا: بأنّه يجوز له أن يكتفي بالقدر المتيقن وهو إطعام عشرة مساكين؛ لأنّه يقول إما يجب عليه إطعام عشرة مساكين أو يجب عليّ إطعام ستين مسكيناً، فيدور الأمر بين الأقلّ والأكثر، هكذا قال بعضهم، راجعوا بحث العروة. السيد الخوئي ملتفت، قال: لا هذا قدرمتيقن في مقام الإمتثال ولا يوجد قدر متيقن في مقام التكليف وفي مقام الجعل، هناك علمٌ إجماليٌّ بأنّه:

– إمّا يجب عليّ الجامع بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، هذا الجامع.

– أو يجب عليّ الجامع بين صوم ستين يوماً أو إطعام ستين مسكيناً.

فأين القدر المتيقن؟

هذا الجامع يختلف عن ذاك الجامع، الجامع بين صوم ستين يوماً أو إطعام ستين مسكيناً هل هذا الجامع واجب وبإمكانه أن يمتثله بأن يصوم ستين يوماً؟ أو أنّ الواجب الآخر واجب وهو الجامع بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم وبإمكانه أن يُعطي الكسوة لعشر مساكين في امتثال هذا الجامع؟

هذا لا يوجد له قدر متيقن في مقام الجعل، فيجب عليه الاحتياط ولو بأن يُطعم ستين مسكيناً حتى يُحرز أنّه امتثل التكليف المعلوم بالإجمال، أما أنّه يكتفي بإطعام عشرة مساكين ويقول هذا قدر متيقن، هذا ناظر إلى مقام الامتثال.

لاحظوا، السيد الخوئي رحمه الله هو من علّمنا هذه النكات الدقيقة. فقد يفوت على الإنسان وليس هذا غريباً.

وعلى أيّ حال: تعدد الوجوب لا مانع منه إذا قام عليه قرينة، أمّا إذا شككنا في تعدد الوجوب أو وحدة الوجوب ماذا نصنع؟ نتكلم عنه في ليلة الأحد إن شاء الله.

 

والحمد لله ربّ العالمين.