دانلود فایل صوتی 230207_1916

فهرست مطالب

فهرست مطالب

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدرس: 60 الأستاذ: الشيخ محمد تقي الشهيدي 

المبحث: المطلق والمقيد (مقدمات الحكمة) الدرس: الأصول

التاريخ: الثلاثاء، 16 رجب الأصب، 1444 ه

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

 

كان الكلام في مقدمات الحكمة، فذكر صاحب الكفاية رحمه الله أنّها ثلاث مقدمات:

المقدمة الأولى: كون المولى في مقام بيان تمام مراده.

والمقدمة الثانية: عدم نصب قرينة متصلة على التقييد.

والمقدمة الثالثة: عدم القدر المتيقن في مقام التخاطب.

ذكرنا أنّ هنا عدّة ملاحظات، وصلنا إلى الملاحظة الرابعة:

الملاحظة الرابعة: أنّ الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني وهكذا السيد الخوئي رحمه الله ذكروا أنّ المقدمة الثانية: إنتفاء القرينة المتصلة أو المنفصلة على التقييد، فلو وردت قرينةٌ منفصلة على التقييد ارتفع بها إطلاق الخطاب، ولأجل ذلك حكموا بأنّ العام إذا تعارض مع المطلق بالعموم من وجه كما لو ورد في خطابٍ “أكرم كلّ عالمٍ” وورد في خطابٍ آخر “لا تكرم الفاسق” فتعارض بـ العالم الفاسق”؛ فحيث إنّ الأول عامٌّ وضعيٌّ فبوروده يرتفع إطلاق الخطاب الثاني لأنّه بيانٌ على خلاف الإطلاق، فحيث يرتفع الإطلاق في الخطاب الثاني فيتقدم عليه العام في مورد التعارض.

 

هؤلاء الأعلام اختلفوا في تقريب مدعاهم، ونحن نذكر عدّة تقاريب لمدعاهم:

التقريب الأول: أن يُقال بأنّ عدم ورود المقيّد المنفصل شرطٌ متأخر لحدوث الإطلاق في الخطاب.

التقريب الثاني: أن يكون المقيد المنفصل رافعاً بقاءً للإطلاق.

يعني: إذا ورد خطابٌ مطلق فقال “أكرم العالم” ثم بعد شهرٍ ورد المقيّد وأنّه لا يجب إكرام العالم الفاسق، فإلى شهر كان الإطلاق ثابتاً، بعد مجيء هذا المقيّد المنفصل يزول الإطلاق يموت الإطلاق، بينما أنّه على التقريب الأول ينكشف عدم حدوث الإطلاق من الأول.

التقريب الثالث: ما ذكره السيد الخوئي رحمه الله من أنّ وصول المقيّد المنفصل رافعٌ للإطلاق، فحتى لو صدر المقيّد المنفصل من الشارع ما دام لم يصل إلى المكلف لا يكون رافعاً لمقدمات الحكمة.

وكل هذه التقاريب مخدوشةٌ؛ فإنّ المراد من الإطلاق ليس هو حجيّة الخطاب المطلق، حيث إنّه لا إشكال في أنّ الحجيّة ترتفع بورود المقيّد المنفصل، كما أنّ حجيّة العام ترتفع بوصول المخصّص المنفصل.

ولأجل ذلك نقول: ما ذكره السيد الخوئي رحمه الله في كتاب المحاضرات من أنّه كما أنّ المخصص المنفصل رافعٌ لحجيّة العام فكذلك المقيّد المنفصل بوصوله رافعٌ لحجيّة الإطلاق بينما أنّ المقيد لو كان متصلا فهو مانعٌ من إنعقاد الإطلاق، هذا ليس تقريباً لمدّعاه.

الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني والذي وافق السيد الخوئي مع كلامهما، فأيّ أحدٍ يشك في أنّ وصول المقيد المنفصل رافعٌ لحجيّة الإطلاق؟ ولا أحد يشكّ في ذلك.

الكلام في نفس الإطلاق؛ إن كان المقصود من الإطلاق هو حكم العقل بالمجزية والمعذرية فلا كلام لنا فيه، لا إشكال لنا في أنّ وصول المقيد المنفصل رافعٌ لحجيّة الإطلاق كما أنّ وصول المخصص المنفصل رافعٌ لحجيّة العام، إنّما كلامنا أنّ الإطلاق أي الظهور الإطلاقي يتوقف على ماذا؟

لا ينبغي الإشكال في أنّ الظهور الإطلاقي يتوقف على عدم المقيد المتصل؛ فإنّ ظاهر حال المولى أنّه يبيّن تمام ما هو دخيلٌ في غرضه بنفس الخطاب المتكفل لبيان غرضه، فحينما يقول “إن أفطرت فأعتق رقبة” فإذا كان قيد الإيمان دخيلاً في غرضه فيبينه في نفس هذا الخطاب، هذا هو المنهج العقلائي، وهذا الظهور الحاليّ العقلائي يخلق ظهوراً في الخطاب وإن كان هذا الظهور ناشئاً عن السكوت عن بيان القيد الزائد. فإن كان ظاهر حال المولى أنّه يبيّن تمام غرضه بخطابٍ واحد فينعقد هذا الظهور ولا ينتظر قدوم المقيّد المنفصل أو عدم قدومه، وإن لم يكن ظاهر حال المولى أنّه يبيّن تمام غرضه بهذا الخطاب فلا ينعقد له ظهور بل لا بدّ من الانتظار حتى يجتمع جميع خطابات المولى، حتى ينعقد ظهور في مجموع هذه الخطابات في أنّها تبيّن تمام غرض المولى، فأيّ معنى لأن نقول: الظهور انعقد ولكنّه مات، توفى رحمه الله حينما صدر القيّد المنفصل أو حينما وصل المقيد المنفصل، فيا ترى أنّ الظهور الذي هو بمعنى كاشفيّة الخطاب عن مراد المولى يتبع علم المخاطب وجهله؟ هذا المخاطب عالمٌ بالمقيّد المنفصل وصديقه جاهلٌ بالمقيّد المنفصل، فهذا يوجب تغيراً في كاشفية هذا الخطاب عن مراد المولى؟ هذا معقول؟ إنصافاً هذا غير معقول.

نحن ندعي: أنّ ظاهر حال المولى كمولى عقلائي أنّه حينما يقول: إن أفطرت فأعتق رقبة فيبيّن تمام ما هو مرتبط بغرضه بنفس هذا الخطاب ولا ينتظر فرصةً أخرى كي يبيّن تمام مراده بخطابٍ آخر فإنّ هذا خلاف المنهج العقلائي، ومن ينكر ذلك فيقع في مشكلةٍ عظيمة وهي أنّ الخطاب المطلق لا يكون كاشفاً عن تمام مراد المولى فكيف يُعتمد عليه مع الشك في وجود مقيّد منفصل؟ لا تقولوا نفحص، نُتعب أرواحنا نفحص فلم نجد مقيّداً منفصلا، نقول: عدم الوجدان ليس دليلاً على عدم الوجود؛ كم من كتابٍ ضُيّع، كم من كتابٍ أُتلف؟ فهذا ابن أبي عمير رضوان الله عليه لمّا سُجن ففي رجال النجاشي أنّ أخته أخفت كتبه في غرفةٍ فنزل عليها المطر فهلكت كتبه، هذا كتاب مدينة العلم للصدوق كتابٌ كبير كان موجوداً إلى ما قبل هجمة المغول، وبعد ذلك لا يوجد في أيّ مكتبةٍ أفلا تحتملون أنّه لو كان موجوداً لظفرنا بمقيّدات منفصلة لهذه الإطلاقات؟

هذه الروايات الضعيفة التي أصلاً ما نعتني بها في كتاب تحف العقول، تفسير العياشي، كتب التاريخ، كتب العامة، لو فحصنا عنها وجدنا مقيّدات منفصلة غير معتبرة ولكن نحتمل صدورها عن الإمام عليه السلام، فإذا لم ينعقد ظهور في نفس الخطاب المطلق على عدم دخل قيد زائد فكيف ننفي احتمال مقيّد منفصلٍ لم يصل إلينا بطريقٍ معتبر؟

[مناقشة السيد الروحانيرحمه الله]

وحينئذ نخاطب السيد الروحاني رحمه الله الذي قال في منتقى الأصول: بأنّ ظاهر حال المولى أنّه يبيّن تمام ما هو دخيل في غرضه قبل مجيء وقت الحاجة، فانتظروا، بمجرّد أن يقول المولى “إن أفطرتم فأعتقوا رقبةً” لا تعملوا بهذا الخطاب المطلق، لا تولوا على أدباركم، انتظروا فإذا لم يرد من الشارع مقيّد منفصل إلى زمام وقت الحاجة إلى العمل بالخطاب المطلق فحينئذٍ اعملوا بالخطاب.

نقول: ما يخالف، على كلامكم احتمال أنّه صدر من الشارع مقيد منفصل قبل مجيء الحاجة للعمل بالمطلق ولكنه لم يصل إلينا بطريق معتبر هذا الاحتمال كيف ندفعه؟

تقولون: هناك أصل عقلائي على عدم الاعتناء بهذا الشكل؟! هذا الأصل العقلائي من أين نشأ؟ غير أنّه نشأ من ظهور حال المولى في أنّه يبيّن تمام غرضه بنفس الخطاب المطلق؟ فإذاً الظهور الإطلاقي ينعقد مع انتفاء المقيّد المتصل، والمقيد المنفصل لا يمسّ بكرامة الإطلاق أبداً وإنّما وصول المقيّد المنفصل يُلغي حجيّة الإطلاق، يلغي حجيّة الظهور الإطلاقي فقط كما في العام.

نعم، لا ينحصر دليل تقديم العام على المطلق في مورد التعارض بالعموم من وجه على أن يكون العام هادماً لمقدمات الحكمة، بل نفس السيد الخوئي رحمه الله ذكر في أبحاثه الفقهيّة أنّ الظهور السكوتي في الإطلاق ظهورٌ لكن ظهورٌ لعدم البيان، بينما أنّ العام ظهورٌ للبيان، ظهورٌ بيانيٌّ.

 

[الثمرات الفقهية]

وقد يؤثر كون العام ظهوراً بيانياً وكون الإطلاق ظهوراً سكوتياً في ترتيب عدة نتائج فقهية، مثلاً:

1. يُقال كما في البحوث: العام حيث إنّه ظهورٌ بياني يقدم عرفا على الإطلاق عند التعارض بالعموم من وجه حيث إنّه ظهورٌ سكوتيٌّ والظهور السكوتيّ أضعف من الظهور البياني.

نحن وإن لم نقبل ذلك بدعوى أنّ الأقوائية في الظهور لا تشكل قرينة عرفية على تقديم أحد الخطابين على الآخر، ولكن: هذا وجهٌ لتقديم العام على المطلق.

2. والثمرة الفقهية الثانية: ما ذكره السيد الخوئي رحمه الله من أنّ الخبر المخالف لإطلاق الكتاب بالعموم من وجه ليس مخالفاً للكتاب؛ فلا يكون إطلاق الخطاب مرجحاً لهذا الخبر الموافق له بدعوى أنّ هذا خبر موافق لإطلاق الكتاب والخبر المخالف له مخالف لإطلاق الكتاب؛ لأنّه يقول: إطلاق الكتاب ليس من الكتاب، إطلاق الكتاب يعني عدم البيان، عدم البيان ليس من القرآن الكريم، العدم وهمٌ محض، ليس جزءاً من القرآن الكريم، فالخبر المخالف لإطلاق الكتاب ليس مخالفاً للكتاب لأنّه ظهور سكوتٍ، ظهور عدم بيانٍ. ولو تعارض خبرٌ بالعموم من وجه مع إطلاق الكتاب لا يصحّ أن نقول بأنّ هذا الخبر مخالف للكتاب وما خالف الكتاب فهو مردود.

وهذه الثمرة أيضاً أجبنا عنها؛ بأنّ الإطلاق الكتابي وإن كان ظهوراً سكوتياً ولكنّه عرفاً يوجب ظهوراً للخطاب، منشأ هذا الظهور السكوت، ولكن ظهورٌ للخطاب. فلو ورد في الخطاب “أكرم العالم” وورد في خبرٍ “لا تكرم العالم” ألا يقال بأنّ هذا الخبر مخالف للكتاب؟ مع أنّه مخالف لإطلاق الكتاب لأنّه لو كان المراد من الخبر “لا تكرم العالم الفاسق” والمراد من الكتاب الكريم حيث قال “أكرم العالم” أكرم العالم العادل لما كانا متعارضين، فإطلاق الخبر مخالفٌ لإطلاق الكتاب. ولكن العرف يقول: لا، هذا الخبر مخالفٌ للكتاب مع أنّه بالدقة إطلاقه مخالف لإطلاق الكتاب لأنّ إطلاق الكتاب وإن كان ظهورا سكوتيا وناشئا من عدم البيان ولكنه يخلق ظهوراً للخطاب نفسه، فهو ظهور القرآن الكريم.

وكيف كان، فقد تحصّل أنّ المقدمة الثانية: عدم البيان المتصل على التقييد، وبقية الكلام في ليلة الإثنين إن شاء الله تعالى.

والحمد لله ربّ العالمين.